بينما تواصل منطقة تمودا باي تعزيز مكانتها كوجهة سياحية تستهدف الفئات الميسورة والباحثين عن خدمات الإقامة الفاخرة، يظل مشروع ريتز كارلتون بمثابة الجرح المفتوح في خاصرة التنمية السياحية بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة. ولأكثر من أربع سنوات، خيم الصمت على الورش المفتوح الذي كان يُفترض أن يشكل قاطرة للإقلاع السياحي في المنطقة، لتتحول الرافعات المتوقفة والهياكل الخرسانية إلى شاهد على تعثر استثماري خلف الكثير من التساؤلات لدى الرأي العام والمواطنين الذين يترقبون فرص الشغل التي وعدت بها هذه المشاريع الضخمة.
تفاصيل الواقعة ومسار الأحداث
دخل هذا الملف الاستثماري الشائك مرحلة جديدة بعد صدور مرسوم حكومي في 3 غشت 2026، وهو القرار الذي حمل في طياته إرادة واضحة لإنهاء حالة “البلوكاج” التي لازمت المشروع لسنوات طويلة. فبموجب المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 27 غشت، منحت الحكومة الضوء الأخضر لصندوق الإيداع والتدبير لإنشاء شركة مخصصة تتولى مسؤولية تطوير المشروع وإنجازه، وصولاً إلى وضعه رهن الاستغلال. وخصص لهذا الغرض رأسمال أولي يبلغ 10 ملايين درهم، كخطوة إجرائية تهدف إلى ضخ دماء جديدة في جسد هذا المركب السياحي.
تاريخياً، ارتبط اسم هذا الورش بوعود سياحية كبرى، حيث يضم المشروع فندقاً من فئة خمس نجوم، وإقامات سياحية متكاملة، ومرافق للترفيه والاستجمام، بالإضافة إلى ملعب للغولف يمتد على 18 حفرة. هذه المكونات كان يُنتظر أن تعيد صياغة العرض السياحي في منطقة تمودا باي، لكن المشاكل المرتبطة بالمالك السابق والوضعية العقارية المعقدة أدت إلى توقف الأشغال تماماً، مما جعل الورش عرضة للتلف والعوامل الطبيعية، وهو ما أثار استياء المتابعين للشأن المحلي بالمنطقة الذين رأوا في هذا التعثر هدراً للموارد وتأخيراً لتنمية الإقليم.
أصوات من الميدان: حجم الضرر والشهادات
يعبر العديد من الفاعلين المحليين والمهتمين بالقطاع السياحي بالمنطقة عن تفاؤل حذر تجاه هذه الخطوة، معتبرين أن مجرد الحديث عن تحريك المشروع يعد تقدماً ملموساً. وفي أحاديث متفرقة، يؤكد مهنيون أن استمرار توقف هذا المركب طيلة أربع سنوات لم يؤثر فقط على الجمالية البصرية للمنطقة، بل حرم العشرات من أبناء المنطقة من فرص شغل مباشرة وغير مباشرة كان من الممكن توفيرها في قطاعات الفندقة، والخدمات، والصيانة.
«إن عودة الأشغال إلى ورش ريتز كارلتون ليست مجرد مسألة فندق فاخر، بل هي اختبار لمدى قدرة الدولة على تدبير المشاريع المتعثرة التي ترهن مستقبل وجهات سياحية كاملة في شمال المملكة.»
ويبدو أن الربط بين التنمية السياحية والواقع الاجتماعي يظل هو التحدي الأكبر. فالمواطن في مناطق الشمال، ومن خلال النقاشات الدائرة على منصات التواصل الاجتماعي، لا يكتفي بالجانب الإجرائي، بل يتساءل عن الجدوى الاقتصادية الحقيقية التي ستعود عليه. فالمشاريع الكبرى في تمودا باي كثيراً ما تثير تساؤلات حول “الانغلاق السياحي”، ومدى انفتاح هذه المركبات على المحيط الاقتصادي المحلي، مما يضع المسؤولين أمام مسؤولية أخلاقية لضمان أن يكون هذا المشروع شريكاً حقيقياً في التنمية وليس مجرد قلعة محصنة للسياحة الراقية فقط.
الرواية الرسمية وموقف الجهات المعنية
تستند الرواية الرسمية، كما تجسدها المراسيم الحكومية، إلى منطق التدخل الإنقاذي، حيث يعتبر صندوق الإيداع والتدبير الجهة المخولة لضمان استمرارية المشاريع ذات البعد الاستراتيجي. وقد جاءت خطوة نقل ملكية الرسوم العقارية في نهاية يوليوز الماضي بالتنسيق مع الوكالة الحضرية لتطوان، كخطوة تمهيدية ضرورية لتصفية الوضعية القانونية للمشروع. يركز الخطاب الرسمي حالياً على أن الشركة المحدثة ستتولى كل ما يتعلق بإنهاء التجهيز والتدبير لاحقاً، مع تجنب الغوص في التفاصيل المالية المتعلقة بالتكلفة الإجمالية للاستثمار أو التواريخ الدقيقة لافتتاح المركب.
هذا التحفظ في المعطيات، رغم كونه مفهوماً في سياق التعامل مع الاستثمارات الخاصة، يترك فراغاً تملؤه التخمينات. ومن الواضح أن الدولة تحاول عبر هذه الصيغة الإجرائية تقليص المخاطر المتعلقة بفشل المستثمرين الخواص، من خلال إسناد المهمة لمؤسسة عمومية تمتلك القدرة والخبرة اللازمتين لمواجهة تحديات الإنجاز والتشغيل، مما يعني أن الرواية الرسمية تضع الكرة الآن في ملعب الصندوق لترجمة هذا المرسوم إلى واقع ملموس على الأرض.
تقاطع المعطيات وتفكيك الفوارق
عند تفكيك المشهد، نجد تبايناً واضحاً بين الطموح المؤسساتي والواقع الميداني. فبينما يمثل رأسمال 10 ملايين درهم إعلاناً عن انطلاق العمل، يظل هذا المبلغ ضئيلاً جداً مقارنة بما يتطلبه إنجاز مركب سياحي بهذا الحجم، مما يوحي بأننا بصدد مرحلة أولى تهدف لترتيب الأوراق القانونية والتقنية قبل ضخ استثمارات أضخم. إن السؤال الحقيقي الذي يطرحه المراقبون هو: ما هي مصادر التمويل الحقيقية؟ وهل ستكون هناك شفافية في تدبير هذه الصفقات؟
هناك أيضاً تباين في التوقعات بشأن طبيعة “الخدمات الاستجمامية”؛ فبينما يراهن المروجون للمشروع على استقطاب سياحة النخبة، لا تزال هناك فجوة في التنسيق بين هذا التصور والمطالب المحلية بتحقيق تنمية شاملة. إن التقاطع بين ما يخطط له في الرباط وما يطمح إليه سكان الشمال يظل هو المحك الحقيقي. فالتنمية لا تُقاس فقط بجمالية المسابح وملاعب الغولف، بل بقدرة هذه المنشآت على الاندماج في الدورة الاقتصادية للمنطقة وتوفير فرص عمل مستقرة ومحترمة للشباب الذين يعانون من غياب البدائل الاقتصادية في المواسم الميتة.
خاتمة وسؤال مفتوح
مع إعلان صندوق الإيداع والتدبير كمدبر وحيد للمشروع، تُطوى صفحة من صفحات التيه الاستثماري في منطقة تمودا باي، لكنها تفتح في الوقت ذاته صفحة جديدة من الانتظار المشفوع بالحذر. إن الورش المفتوح اليوم على شاطئ المضيق ليس مجرد بناء فندق، بل هو رمز لرهانات كبرى تضع المؤسسات العمومية في مواجهة مباشرة مع انتظارات المواطنين.
وفي ظل هذا الغموض الذي يلف التكلفة الإجمالية والجدول الزمني النهائي، يظل السؤال مطروحاً بقوة: هل سيتمكن صندوق الإيداع والتدبير من تجاوز أخطاء الماضي وإخراج هذا المركب إلى حيز الوجود بشكل يراعي التنمية المستدامة، أم سنظل أمام مشروع سياحي ضخم يقف شاهد عيان على تعثر السياسات الاستثمارية في المنطقة؟ إن الأيام القادمة وحدها كفيلة بالكشف عن مدى جدية هذا التوجه الحكومي، وعما إذا كان ريتز كارلتون سيصبح فعلاً جوهرة التاج في سياحة الشمال، أم سيبقى لغزاً مستمراً ينتظر حلاً جذرياً.



















