حينما تصبح لائحة المكاتب سراً إدارياً: هل تُرهن نزاهة الانتخابات بالحسيمة لضبابية القرارات؟

حسيمة سيتيمنذ 45 دقيقةآخر تحديث :
حينما تصبح لائحة المكاتب سراً إدارياً: هل تُرهن نزاهة الانتخابات بالحسيمة لضبابية القرارات؟
بقلم: رشيد البراني

قراءة في تداعيات تقييد المعلومة الانتخابية على مناخ الثقة والمسؤولية المؤسساتية

إنَّ العملية الانتخابية في جوهرها ليست مجرد طقس إداري يفرز ممثلين في المجالس المنتخبة، بل هي العقد الاجتماعي الأسمى الذي يربط المواطن بمؤسساته. بالنسبة للمواطن العادي في إقليم الحسيمة، لا تنفصل نزاهة الانتخابات عن قدرة مرشحه على مراقبة “صندوق الاقتراع”، لأن هذا الصندوق هو الضامن الوحيد لإيصال صوته، وتوجيه قرارات التنمية، وضمان وصول الخدمات الأساسية لمجاله الترابي. عندما يجد المرشح نفسه، ولأول مرة في تاريخ الإقليم، عاجزاً عن الحصول على لوائح مكاتب التصويت، فإنَّ هذا “الحجب” لا يستهدف المرشح في شخصه، بل يمس بحق الناخب في ضمان صيانة أمانته الانتخابية.

إنَّ هذا الإجراء يلقي بظلال من الشك حول المناخ العام الذي تُجرى فيه الاستحقاقات، إذ إنَّ غياب الشفافية في الترتيبات اللوجستية قبل الاقتراع يفتح الباب أمام تأويلات قد تُفقد المواطن ثقته في جدوى العملية برمتها. فالمواطن الذي يطمح لتدبيرٍ أمثل لجماعته أو مدينته، يجد نفسه أمام “جدار صمت” إداري يثير أسئلة وجودية حول مدى احترام القواعد التي أُسست عليها التنافسية الديمقراطية في المغرب.

1. عرض الملف والوقائع

تشير المعطيات الواردة من إقليم الحسيمة إلى حالة غير مسبوقة في تاريخ تدبير الاستحقاقات الانتخابية بالإقليم؛ حيث واجهت مصالح العمالة طلبات المرشحين وممثلي الأحزاب السياسية الرامية للحصول على لوائح مكاتب التصويت بالرفض. هذا الإجراء، الذي يُعد انحرافاً عن المسار المعتاد الذي ساد في استحقاقات سابقة، أثار استغراب الفاعلين السياسيين المحليين، خاصة وأنَّ هذه اللوائح تشكل أداة أساسية لا غنى عنها لأي مرشح يرغب في تنظيم حملته وتوزيع ممثليه على المكاتب لمراقبة سير العملية.

لم يصدر لحد الساعة بلاغ رسمي يفسر الحيثيات القانونية لهذا القرار، أو يعلل أسباب هذا التحول في التعامل الإداري. هذا الصمت الإداري في لحظة سياسية حساسة يعمق الهوة بين السلطة الإقليمية والفاعلين السياسيين، ويحول إجراءً إدارياً كان يُفترض أن يكون روتينياً إلى “قضية رأي عام” تضع نزاهة الاستحقاقات في الإقليم أمام اختبار صعب يتطلب تفسيرات شافية.

2. الفارق بين الوعد والنتيجة

الوعد المعلنالجهة المسؤولةالنتيجة على الأرضالفارق ومؤشر الأداء
ترسيخ الشفافية والحياد التاممصالح عمالة الحسيمةرفض تسليم لوائح مكاتب التصويتتراجع في ممارسة الشفافية الإدارية
ضمان تكافؤ الفرص للمرشحينالإدارة الترابيةعرقلة مهام المراقبة والتحضيرتضرر مبدأ المنافسة المتكافئة

إنَّ الفارق بين الخطاب الرسمي الذي يشدد على “توفير الظروف الملائمة” للانتخابات وبين الواقع الذي يعيشه المرشحون يعكس فجوة أداء واضحة. فالوعود بالانفتاح والشفافية تصطدم في الممارسة اليومية بقرارات بيروقراطية تضيق الخناق على الفاعلين، وهو ما يشكل مؤشراً سلبياً على كفاءة التدبير الإداري المحلي في مواكبة المتطلبات الديمقراطية.

3. الأثر على المجتمع

لا يتوقف أثر هذا الرفض عند المرشحين؛ فالحسيمة إقليم يحمل ذاكرة سياسية وتاريخية خاصة، وأي شعور لدى المواطن بأن “العملية الانتخابية غير واضحة” يؤدي مباشرة إلى تعميق العزوف السياسي. عندما يرى المواطن أن الأدوات التي تحمي صوته يتم حجبها، فإنه يفقد الحافز للمشاركة، مما يفرغ الانتخابات من معناها ويحولها إلى صراع أرقام بعيداً عن البرامج التي يفترض أن تعالج أزمات البطالة والخدمات العمومية في المنطقة.

اقتصادياً، تؤدي هذه الضبابية إلى توتر في الوسط المحلي، حيث ينشغل المرشحون والساكنة بالبحث عن “ضمانات” بديلة في ظل غياب المعلومة الرسمية. هذا الوضع يشتت الجهود التنموية ويخلق مناخاً من عدم اليقين الذي لا يخدم تطلعات الساكنة التي تنتظر استقراراً سياسياً ومؤسساتياً يمهد الطريق لمشاريع تنموية حقيقية.

4. صوت الطرف الآخر

في انتظار أي توضيح رسمي، يُفترض عادة في مثل هذه الحالات أن تكون مصالح العمالة قد استندت إلى تأويلات قانونية ضيقة، أو ربما دواعٍ لوجستية مرتبطة بتنظيم العمل الإداري الداخلي. قد تدعي الجهات المعنية أن اللوائح تُنشر وفق القوانين المحددة في القانون التنظيمي المتعلق بالانتخابات، وأن أي تأخير أو رفض هو إجراء وقائي لضمان “سير العمل” أو تفادياً لأي تلاعب محتمل، معتبرةً أن الإدارة تلتزم فقط بما ينص عليه القانون دون زيادة أو نقصان.

ومع ذلك، فإنَّ الدفاع عن “الالتزام الحرفي بالقانون” يظل ضعيفاً حينما يغيب التفسير والتواصل، خاصة إذا كانت الممارسة في الاستحقاقات السابقة تجري بسلاسة وتسمح بتسليم هذه اللوائح. فالصمت لا يقدم تبريراً، بل يعزز فرضية وجود “اجتهادات إدارية” قد لا تكون موفقة في تقدير عواقبها على الثقة العامة.

5. أين تكمن المسؤولية؟

إنَّ الخلل المؤسساتي في هذا الملف يكمن في تغليب “المنطق الإداري الصرف” على “المنطق السياسي التدبيري”. فالمسؤولية الإدارية تقتضي توضيح المرجع القانوني للرفض، فإذا كان هناك منع قانوني صريح، فليُعلن عنه، وإذا كان هناك فراغ قانوني، فالمسؤولية تقع على عاتق الإدارة في التنسيق وتسهيل المهمة. غياب التنسيق بين المصالح الداخلية للعمالة وعدم وضوح التعليمات يؤديان إلى قرارات مشوشة تسيء لسمعة الإدارة.

كما أن المسؤولية تطال “آلية الرقابة الداخلية”؛ فهل يعقل أن تُتخذ قرارات بهذا الحجم دون علم عامل الإقليم؟ إذا كان العامل يعلم، فإننا أمام قرار سياسي يستحق المساءلة، وإذا كان لا يعلم، فإننا أمام خلل في ضبط المصالح التابعة له، وكلا الاحتمالين يستوجب وقفة تقييمية حازمة لضمان عدم تكرار مثل هذه “الارتجالات” التي تضر بمصداقية المؤسسة الترابية.

6. ما الذي يجب أن يتغير؟ (توصيات تصحيحية)

أولاً، يجب على مصالح عمالة الحسيمة إصدار توضيح عاجل يحدد الأساس القانوني الذي استندت إليه في هذا الرفض، وفتح باب الحوار مع ممثلي الأحزاب السياسية لإزالة أي لبس. إنَّ الشفافية في التواصل هي المدخل الوحيد لاستعادة الثقة وتصحيح المسار قبل فوات الأوان.

ثانياً، ينبغي مراجعة المساطر الإدارية لتكون أكثر مرونة في التعامل مع الفاعلين السياسيين، مع اعتماد “ميثاق شفافية” محلي يضمن حصول الجميع على المعطيات المرتبطة بمكاتب التصويت، بما يحفظ مبدأ تكافؤ الفرص. المؤسسات لا تُبنى بالصمت والغموض، بل بالوضوح في القرارات والقرب من هموم الفاعلين والمواطنين على حد سواء.

7. خاتمة: دعوة إلى المحاسبة والنهوض

إنَّ اللحظة الراهنة في الحسيمة تتطلب من أصحاب القرار الترفع عن “الاجتهادات الإدارية” التي قد تشوه صورة المؤسسة الترابية. المحاسبة ليست عدواناً، بل هي حجر الزاوية في أي تدبير ديمقراطي سليم. إنَّ الدعوة لفتح ملف “لوائح المكاتب” هي دعوة لحماية المؤسسات من نفسها، وضمان ألا تتحول الانتخابات من أداة لتمثيل الشعب إلى وسيلة لتكريس الضبابية.

نحن لا نطالب بأكثر من تطبيق القانون بروح المواطنة، والعمل على بناء جسر من الثقة يربط المسؤول بالمواطن. فإذا كان هناك التزام بالنزاهة، فلنصنع لها طريقاً معبداً بالوضوح، ولنغلق الأبواب أمام كل من يجد في “الغموض الإداري” وسيلة لإرباك المسار الديمقراطي في وطن يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى مؤسسات قوية وشفافة لا تهاب النور.

المصدر متابعة
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق