بين شعارات المكاتب السياسية وواقع المواطن: هل تكسر “سيليا” طوق التوقعات المخذولة؟
حين يستيقظ المواطن في الحسيمة، أو في أي مدينة مغربية أخرى، لا يسأل نفسه عن حجم “الكتلة الناخبة” أو “التحالفات الحكومية”، بل يسأل عن تكلفة السلة الغذائية، وعن جودة الموعد الطبي الذي ينتظره لأشهر، وعن “الفرصة” التي تجعل ابنه لا يرى في ركوب قوارب الموت الحل الوحيد للكرامة. في هذا السياق، يبدو الحديث عن “العمل السياسي” ترفاً فكرياً إذا لم يكن مرتبطاً بصلابة العيش اليومي. إن الفجوة التي تتسع يوماً بعد يوم بين المؤسسة والشارع ليست مجرد أزمة تواصل، بل هي أزمة ثقة تراكمت بفعل وعود انتخابية دُفنت فور إغلاق صناديق الاقتراع.
هنا، يطرح المشهد السياسي سؤالاً جوهرياً: هل يمكن للوجوه الجديدة، القادمة من رحم المعاناة لا من دهاليز الأجهزة، أن تغير المعادلة؟ أم أن النظام الانتخابي والممارسة السياسية في المغرب تلتهمان كل “نسخة أصلية” وتحولانها إلى “نسخة مطابقة” للأداء التقليدي؟
1. عرض الملف والوقائع
أعلنت سليمة الزياني، المعروفة بـ “سيليا”، عن ترشحها للانتخابات التشريعية بدائرة الحسيمة تحت لواء “الحزب المغربي الحر”. هذا الإعلان لم يأتِ بوصفه “خروجاً من العدم”، بل كتحول في استراتيجية المواجهة؛ من الاحتجاج في الشارع إلى السعي للمشاركة في تدبير المؤسسة. تؤكد الزياني أن قرارها نابع من قناعة ذاتية، رافضةً الانخراط في “اللعبة” لولا شعورها بالمسؤولية الأخلاقية والسياسية.
ترتكز حملتها (وإن كانت لا تزال في طور الإعلان) على “المحاسبة أولاً”، مستهدفةً ملفات شائكة تبدأ من جودة التعليم والخدمات الصحية، وصولاً إلى الحكامة ومحاربة الفساد. هذه الخطوة تعيد إلى الواجهة نقاشاً وطنياً حول “جدوى البرلمان”: هل هو فضاء للتشريع الرصين أم واجهة لإضفاء الشرعية على قرارات تُطبخ في كواليس أخرى؟ وبحضور “سيليا”، يطرح الحزب المغربي الحر تحدياً مزدوجاً: اختبار صدقية الخطاب في مواجهة الواقع، واختبار مدى قدرة النظام الانتخابي المغربي على استيعاب أصوات “غير تقليدية” ترفع شعارات المحاسبة لا الولاء.
2. الفارق بين الوعد والنتيجة
مقارنةً بين ما يكتبه المرشحون في ملصقاتهم وما تعيشه الأسر المغربية، نجد هوة سحيقة. السياسات العمومية، وفق المعطيات الرقمية الرسمية، غالباً ما تتجاهل “الأثر المباشر”. ففي حين نعد بتعليم جيد، تظل المدارس العمومية تعاني من اكتظاظ وخصاص هيكلي. وحين نعد بصحة وكرامة، يضطر المواطن لبيع ممتلكاته لتغطية تكاليف علاج بسيط. هذه المفارقة ليست بسبب نقص الموارد دائماً، بل بسبب “سوء الحكامة” وغياب آليات المحاسبة التي تجعل المنتخب مسؤولاً أمام ناخبيه، لا أمام قيادة حزبه.
3. الأثر على المجتمع
إن استمرار التفاوت بين “السياسة كمهنة” و”السياسة كخدمة” يلقي بظلاله الثقيلة على المواطن. فالمواطن اليوم يعيش حالة من “الاستقالة الجماعية” من العمل الحزبي، ليس زُهداً، بل فقداناً للأمل. عندما تغيب المحاسبة، يغيب الحافز؛ وعندما يغيب الحافز، يتحول البرلمان إلى مجرد “غرفة تسجيل” للقرارات. هذا العزوف ليس دليلاً على لا مبالاة الشعب، بل هو “احتجاج صامت” على منظومة سياسية تضع المواطن في آخر أولوياتها، وتجعل من الوعود الانتخابية مجرد “أدوات تجميل” لواقع متدهور اقتصادياً واجتماعياً. إن المعاناة اليومية في الحسيمة وغيرها ليست أرقاماً في تقارير، بل هي دماء تسري في شرايين المجتمع، وأي سياسي يتجاهل هذا الرابط العضوي بين “الخبز” و”القرار” لا يمكنه أن يدعي تمثيل الناس.
4. صوت الطرف الآخر
من جانبهم، يجادل أصحاب القرار والمدافعون عن الأداء الحكومي بأن “التغيير يتطلب تدرجاً”، وأن الإكراهات الاقتصادية العالمية والظرفية المناخية تفرض قيوداً على ميزانيات الاستثمار الاجتماعي. يشدد هؤلاء على أن المؤسسات تعمل ضمن إكراهات دستورية ومسارات بيروقراطية معقدة، وأن الوعود الانتخابية هي “سقف طموح” وليست “عقوداً ملزمة”، محذرين في الوقت نفسه من “الشعبوية” التي قد تغذيها خطابات المحاسبة الراديكالية.
5. أين تكمن المسؤولية وما الذي يجب أن يتغير؟
المسؤولية لا تقع على “سيليا” أو أي مرشح بمفرده، بل على النظام الذي يفرغ العمل السياسي من محتواه الرقابي. التغيير المطلوب ليس في الشعارات، بل في:
- ربط المسؤولية بالمحاسبة واقعياً: ليس فقط عبر صناديق الاقتراع، بل من خلال آليات برلمانية قوية تفرض على الوزير أو المسؤول المحلي تفسير “لماذا لم يُنجز” تحت طائلة المتابعة.
- استعادة الثقة: عبر وقف التوظيف الانتخابي للملفات المصيرية، والتعامل مع التعليم والصحة كقضايا أمن قومي لا كملفات تجاذب حزبي.
- دور المواطن: يجب أن يتحول المواطن من “ناخب” في يوم واحد، إلى “رقيب” دائم. السياسة ليست “هدية” ممنوحة من الأحزاب، بل هي حق للمواطن في مراقبة تدبير شأنه العام.
6. خاتمة: دعوة إلى المحاسبة والنهوض
إن محطة 23 شتنبر 2026 ليست مجرد يوم انتخابي، بل هي اختبار لمدى نضج التجربة السياسية المغربية. إذا كانت “المحاسبة أولاً” هي البوصلة، فالمحك ليس في الرمز الذي سيختاره الناس، بل في قدرة هؤلاء الناس على فرض استمرارية هذا الشعار بعد انطفاء أضواء الحملة. إن المغرب لا يحتاج إلى المزيد من الأسماء التي تتكرر، بل يحتاج إلى “إرادة صلبة” تضع مصلحة المواطن في قلب كل قرار، وتجعل من السياسة ساحة للخدمة، لا منصة للصعود أو التبرير. لننتظر، فالتاريخ لا يرحم، والواقع، بمراراته اليومية، لا يقبل القسمة على الوعود الزائفة.



















