انتخابات الحسيمة: ديمقراطية الوجوه المتكررة في مواجهة أرق المواطن اليومي

بين طقوس

حسيمة سيتيمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
انتخابات الحسيمة: ديمقراطية الوجوه المتكررة في مواجهة أرق المواطن اليومي
بقلم: رشيد البراني

في كل موسم انتخابي، يستيقظ المواطن في إقليم الحسيمة على إيقاعات مألوفة؛ ضجيج الحملات، تعليق الملصقات، وتزاحم الوعود التي تبدو كأنها نُسخت من أرشيف استحقاقات سابقة. بالنسبة للمواطن العادي، الذي يصارع غلاء المعيشة، ويبحث عن فرصة عمل لأبنائه، أو ينتظر تحسناً ملموساً في مرافق الصحة والتعليم، لا تبدو هذه “الحرارة” الانتخابية التي يروج لها الفاعلون السياسيون تعبيراً عن حيوية ديمقراطية بقدر ما تبدو طقساً موسمياً لا يمس جوهر معاناته اليومية.

إن الفجوة بين لغة “وكلاء اللوائح” الذين يتنافسون على المقاعد الأربعة، وبين هموم “ساكنة الإقليم” التي تنتظر فاعلاً سياسياً يترجم مطالبها إلى سياسات عمومية، تتسع يوماً بعد يوم. فبينما ينشغل المرشحون بحسابات “التحالفات” و”توزيع التزكيات”، يظل التساؤل الملحّ لدى الناخب: هل سيشكل هذا المشهد الانتخابي، بوجوهه التي تراوحت بين التكرار والاستنساخ، أي إضافة نوعية لمستقبل المنطقة؟

1. عرض الملف والوقائع

تنطلق اليوم بإقليم الحسيمة الحملة الانتخابية الخاصة باستحقاقات 23 شتنبر، في سياق يتسم بحذر شديد وفتور ميداني ملحوظ. وقد أفرزت عملية إيداع الترشيحات 14 لائحة حزبية تتصارع على أربعة مقاعد برلمانية، في مشهد يجمع بين برلمانيين حاليين سعوا للحفاظ على مواقعهم، وبرلمانيين سابقين يحاولون العودة للواجهة، إلى جانب طموحات جديدة تحاول اقتحام المشهد.

توزعت التزكيات بين أحزاب توصف بالكبرى وأخرى تسعى لإثبات الوجود، حيث يقود اللوائح أسماء مألوفة مثل محمد الحموتي (الأصالة والمعاصرة)، ومحمد الأعرج (الحركة الشعبية)، وعبد الحق أمغار (الاتحاد الاشتراكي)، وغيرهم. هذا الحشد الحزبي، الذي لجأ بشكل مكثف لمنصات التواصل الاجتماعي لتعويض غياب الحماس الميداني، يطرح إشكالية “النخبة الانتخابية” ومدى قدرة هذه الأسماء على تقديم بدائل حقيقية تتجاوز منطق التنافس التقليدي على المقعد.

2. الفارق بين الوعد والنتيجة

يعاني المشهد الانتخابي من فجوة كبيرة بين الوعود التي تُغلف بها الحملات والنتائج الميدانية التي يلمسها المواطن. ففي كل استحقاق، يتم التركيز على “البرامج”، لكن أثر هذه البرامج على جودة الحياة في الحسيمة يظل ضئيلاً مقارنة بالوعود البراقة.

الوعد المعلنالجهة المسؤولةالنتيجة على الأرضالفارق ومؤشر الأداء
تحسين البنية التحتية والتشغيلالأحزاب المشاركةاستمرار البطالة وهجرة الكفاءاتتباين حاد بين الشعار والواقع
تعزيز الحكامة المحليةالمنتخبون المحليونغياب الفعالية في تدبير الشأن العامضعف المردودية التنموية
التواصل الدائم مع الساكنةالمرشحونانقطاع التواصل بعد الفوزفقدان الثقة في المؤسسة

3. الأثر على المجتمع

إن استمرار إعادة تدوير نفس الوجوه الانتخابية، أو الاعتماد على توريث المواقع (سواء كان ذلك صريحاً أو ضمنياً)، يترك أثراً سلبياً على النسيج الاجتماعي والاقتصادي للإقليم. فالأسرة في الحسيمة، التي تضع أملها في صناديق الاقتراع لتغيير وضعها المعيشي، تكتشف بعد انتهاء العملية الانتخابية أن القوانين التي تُشرع في الرباط لم تجلب استثمارات حقيقية أو حلولاً جذرية لمعضلات المنطقة.

هذا الغياب للأثر الملموس يدفع الشباب والمقاولات الصغرى إلى حالة من اليأس من العمل السياسي، وهو ما يفسر ذلك “الفتور” الذي طبع انطلاقة الحملة. فالمواطن لم يعد ينظر إلى البرلمان كمؤسسة قادرة على إحداث الفارق في يومياته، بل كمكان لتكريس الوضع القائم، وهو ما يهدد بضرب المصداقية المؤسساتية في الصميم.

4. صوت الطرف الآخر

في المقابل، يبرر أصحاب القرار وتدبير الشأن الحزبي تزكياتهم بالبحث عن “الفعالية الانتخابية” و”الخبرة السياسية”. يرى الفاعلون أن البرلمانيين الذين أعيدت تزكيتهم يمتلكون “دراية بدواليب الإدارة” وقدرة على الترافع عن قضايا الإقليم داخل المؤسسة التشريعية.

تؤكد التنظيمات الحزبية أن العملية الانتخابية هي “تمرين ديمقراطي” متاح للجميع، وأن الوجوه الجديدة لها فرصتها في المنافسة، مشيرين إلى أن البرامج الانتخابية ترتكز على مخططات تنموية وطنية تهدف إلى تقليص الفوارق المجالية، وأن الأثر الميداني يحتاج إلى “تراكم زمني” لا يمكن اختزاله في ولاية انتخابية واحدة.

5. أين تكمن المسؤولية؟

تكمن المسؤولية هنا في “ثقافة التزكية” التي تغلب الولاء الحزبي والقدرة على حشد الأصوات على الكفاءة والنزاهة والقدرة على الابتكار السياسي. هناك خلل مؤسساتي يتمثل في ضعف آليات الرقابة التي تفرض على النائب البرلماني تقديم حصيلة مرحلية واضحة أمام ناخبيه، مما يجعل المحاسبة “موسمية” ومؤجلة لسنوات.

إضافة إلى ذلك، فإن ضعف التنسيق بين المنتخبين وبين تطلعات المجتمع المدني المحلي يحول المؤسسات المنتخبة إلى “جزر منعزلة”. المسؤولية لا تقع على عاتق المرشح وحده، بل على عاتق النسق الحزبي الذي لا يشجع على بروز نخب جديدة تمتلك رؤية حقيقية وتجرؤ على طرح الأسئلة الصعبة في قبة البرلمان.

6. ما الذي يجب أن يتغير؟ (توصيات تصحيحية)

للخروج من دائرة التكرار، يجب الانتقال من “حملات الوجوه” إلى “حملات الأفكار”. هذا يتطلب إقرار ميثاق شرف حزبي يلزم المرشحين بتقديم “تعاقدات تنموية” محددة زمنياً وقابلة للقياس، مع الالتزام بلقاءات دورية مع الناخبين لا تقتصر على فترات الحملة.

كما يجب على الأحزاب أن تفتح باب التجديد ليس كشعار، بل كممارسة تضمن ضخ دماء جديدة قادرة على فهم التحولات العميقة التي يعيشها المجتمع. إن الإصلاح يبدأ من إعادة الاعتبار للعمل السياسي، عبر جعل “المساءلة” قيمة مركزية في العلاقة بين المشرع والمواطن، وتجاوز منطق الزبونية الانتخابية الذي أفرغ الديمقراطية من محتواها التنموي.

7. خاتمة: دعوة إلى المحاسبة والنهوض

إن استحقاقات 23 شتنبر في الحسيمة ليست مجرد صراع على أربعة مقاعد، بل هي اختبار لمدى نضج الممارسة الديمقراطية. لا يمكن للنهوض بالإقليم أن يتحقق إلا عبر إدراك المواطن لقوة صوته، وتحويله من “مفعول به” في حسابات الأحزاب إلى “فاعل” يمارس المحاسبة السلمية والمؤسساتية.

إننا أمام منعطف يتطلب من الجميع، أحزاباً وناخبين، استحضار المصلحة العامة التي تعلو فوق كل الحسابات الضيقة. إن المحاسبة لا تعني الصدام، بل تعني وضع المسؤولين أمام مسؤولياتهم التاريخية، والتأكيد على أن مقعد البرلمان ليس امتيازاً، بل أمانة سياسية وأخلاقية تتطلب الصدق في التعهد والوفاء في الإنجاز.

المصدر متابعات
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق