مغرب الأوراش الكبرى ومغرب الفراقشية: مفارقة الخطاب السياسي في زمن الانتخابات

حسيمة سيتيمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
مغرب الأوراش الكبرى ومغرب الفراقشية: مفارقة الخطاب السياسي في زمن الانتخابات
مغرب الأوراش الكبرى ومغرب الفراقشية: مفارقة الخطاب السياسي في زمن الانتخابات

كما يقول الروائي ميلان كونديرا في تأملاته حول وجود الإنسان، إن الكائن البشري يعيش في حالة دائمة من التناقض بين ما يطمح إليه وبين ثقل الواقع المعيش. هذا التناقض الجوهري يتجسد اليوم في المشهد السياسي المغربي، حيث يجد المواطن نفسه ممزقاً بين صورتين متناقضتين لبلاده.

المغرب الصاعد في واجهة الخطاب

على مدار فترات الانتداب الحكومي، يتردد صدى إنجازات «المغرب الصاعد» في الخطب الرسمية والمنابر الإعلامية. طائرات تُصنع، سيارات تُنتج، درونات متطورة، طاقات متجددة تعزز السيادة الطاقية، وتحلية لمياه البحر، وموانئ عالمية، وأوراش كبرى تهدف إلى وضع المملكة في مصاف الدول الصناعية الكبرى. هذا الخطاب يعكس طموح الدولة وقدرتها على التخطيط الاستراتيجي طويل المدى.

الانتخابات: لحظة الاصطدام بالواقع

غير أنه مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يحدث تحول دراماتيكي في نبرة الأحزاب السياسية. فجأة، يختفي الحديث عن مؤشرات النمو والناتج الداخلي الخام، ليحل محله نقاش «الفراقشية» و«الشناقة»، وتقلبات أسعار اللحوم والخضر، وتآكل القدرة الشرائية. إن هذا التحول في البوصلة ليس صدفة، بل هو استراتيجية انتخابية تعترف ضمنياً بأن المواطن لا يرى انعكاس الأوراش الكبرى على قفته اليومية.

مفارقة الوجود والوعي

يطرح هذا التباين سؤالاً وجودياً: هل نحن أمام مغربين؟ مغرب النخب والخطط الكبرى، ومغرب المواطن الذي يصارع من أجل توفير قوت يومه؟ إن بروز مصطلح «الفراقشية» -بما يحمله من حمولة تاريخية مرتبطة بالنهب والفقر- في قلب النقاش السياسي، هو مؤشر خطير على أن الهوة بين خطاب الدولة وواقع الشارع قد اتسعت.

المساءلة الأخلاقية للخطاب السياسي

إن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يواجه به الناخبُ الأحزاب ليس عما إذا كانت المشاريع الكبرى موجودة، بل متى تتحول هذه المشاريع إلى طمأنينة غذائية واستقرار اجتماعي؟ السياسة هنا ليست مجرد إنجاز أرقام، بل هي قدرة على مواءمة الطموح الوطني مع الحاجة الفردية.

خاتمة

في نهاية المطاف، لا يمكن للمواطن أن يعيش في «بلد يصنع الطائرات» و«مواطن يفتقد ثمن الخضار» في آن واحد. إن التحدي القادم ليس في استمرار الأوراش، بل في جعل هذه الأوراش تتحدث لغة الخبز والكرامة، بعيداً عن التوظيف الموسمي للمآسي الاجتماعية في الحملات الانتخابية. إنها لحظة للحقيقة، حيث المائدة هي الميزان الوحيد للصدق السياسي.

المصدر متابعات وتحليل
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق