السياسات الترابية بين طموح العدالة المجالية ومعضلة التنفيذ التقني
يستقبل الطالب في إقليم الحسيمة الموسم الجامعي (2026-2027) بمشاعر متناقضة؛ فبينما كان يأمل في أن ينهي “غربة الترحال” نحو مدن الشمال الكبرى بفضل مشروع مركب أيت قمرة، يجد نفسه مجدداً في رحاب “الحلول الترقيعية”. إن هذا الموقف ليس مجرد تفصيل إداري، بل هو انعكاس لأزمة أعمق تمس استقرار الأسر التي عولت على وعود تنموية بدت في الأفق قريبة، قبل أن تصطدم بجدران التأخير في الإنجاز.
خلف كل رقم إداري وكل اجتماع تنسيقي، هناك عائلة تحسب تكاليف النقل، وطالب يتساءل عن جودة التكوين في فضاءات “انتقالية”، ومقاولة تترقب مآلات التزاماتها. إن تحويل حلم “الجامعة القريبة” إلى “ورش مفتوح” يعيد طرح أسئلة جوهرية حول حكامة المشاريع الكبرى في بلادنا، وحول ما إذا كانت هذه المشاريع تُصمم لخدمة التنمية المحلية أم لتكون مجرد أرقام في تقارير المؤسسات.

1. عرض الملف والوقائع
يعد مركب أيت قمرة الجامعي، بمكوناته الأساسية (المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير، المدرسة العليا للتكنولوجيا، وكلية العلوم القانونية والسياسية)، حجر الزاوية في استراتيجية تقليص الفوارق المجالية التي تبنتها الدولة لتأهيل إقليم الحسيمة. المشروع الذي وُضع كرافعة اقتصادية واجتماعية، يهدف إلى خلق قطب أكاديمي يضاهي الأقطاب الكبرى، لضمان استبقاء الكفاءات الشابة وتخفيف الضغط الاجتماعي والاقتصادي على الأسر الريفية.
سياق هذا الدخول الجامعي يأتي في ذروة الحراك المؤسساتي المكثف بين السلطات الإقليمية ورئاسة جامعة عبد المالك السعدي، حيث أفرزت التقارير الميدانية واللجان المختصة وجود “تفاوتات” في وتيرة الإنجاز. هذه التفاوتات استدعت اللجوء إلى “هندسة تدبيرية انتقالية”، وهو مصطلح دبلوماسي يغلف واقعاً ميدانياً لم تكن فيه الأشغال والتجهيزات جاهزة للاستغلال الفعلي، مما دفع بالمسؤولين إلى تفعيل محاضر تتبع صارمة لفرض الالتزامات التعاقدية.
2. الفارق بين الوعد والنتيجة
لا يمكن فصل هذه الوعود عن سياقها السياسي؛ فالمشاريع الكبرى في المغرب غالباً ما تُقدم بجدول زمني طموح يوحي بالجاهزية الكاملة، لكن الواقع الميداني يتحدث بلغة أخرى. إن الفارق هنا ليس مجرد “تأخير تقني”، بل هو فجوة في المصداقية بين ما يتم الإعلان عنه في قاعات الندوات وما يعيشه المواطن عند أبواب المؤسسات.
| الوعد المعلن | الجهة المسؤولة | النتيجة على الأرض | الفارق ومؤشر الأداء |
|---|---|---|---|
| جاهزية المركب كقطب جامعي متكامل 2026 | وزارة التعليم العالي + الجامعة | اعتماد فضاءات مؤقتة وتوزيع بيداغوجي | ضعف الحكامة في التدبير الزمني للمشاريع |
| جودة التكوين في بنيات عصرية | المقاولات ومكاتب الدراسات | استغلال مرافق سوسيو-رياضية للتدريس | غياب بيئة أكاديمية متخصصة ومستقرة |
3. الأثر على المجتمع
إن الآثار الاجتماعية والاقتصادية لهذا الارتباك تتجاوز أسوار الجامعة. فبالنسبة للطالب، يعني الانتقال نحو “بدائل مؤقتة” تشتتاً في الفضاءات، مما قد يؤثر على التحصيل الأكاديمي وعلى شعور الطالب بالانتماء لمؤسسته. أما الأسر، فقد وجدت نفسها في مواجهة غموض يمس تكاليف الحياة اليومية واللوجستيك، خاصة مع الحاجة لتكييف المسارات الدراسية مع مرافق غير مصممة أصلاً للعمل الجامعي.
من الناحية الاقتصادية، يؤدي تأخر استكمال المركب إلى تعطيل دورة حياة اقتصادية محلية كانت تُبنى على وجود كتلة طلابية قارة في منطقة أيت قمرة، مما يعني ضياع فرص استثمارية صغيرة كانت ستنتعش بوجود هذه المؤسسات. إن الفشل في احترام الآجال يضرب الثقة في الاستثمارات العمومية، ويحول الحماس التنموي إلى حالة من الترقب والقلق لدى الفاعلين المحليين.

4. صوت الطرف الآخر
تؤكد الجهات المسؤولة، من سلطات إقليمية ورئاسة جامعة، أن هذه الترتيبات تدخل في إطار “التدبير الاستباقي” لضمان السير العادي للموسم الجامعي، مشددة على أن الهدف الأسمى هو عدم تضييع الزمن الدراسي للطلبة. وتدفع هذه المؤسسات بأن “التفاوتات في وتيرة الإنجاز” تُعالج حالياً عبر لجان مراقبة صارمة تفرض التزامات قانونية على الشركات المتعاقدة، مؤكدة أن الانتقال نحو الفضاءات البديلة (كالمركب السوسيو-رياضي وفضاءات ENSA) هو إجراء “مؤقت” و”ضروري” لاستكمال ما تبقى من أشغال تقنية خارجية، مع الحفاظ على التزاماتها بتوفير عرض تكويني متكامل في أقرب الآجال.
5. أين تكمن المسؤولية؟
يكمن الخلل المؤسساتي في غياب “الربط بين المسؤولية والمحاسبة” في تدبير المشاريع الكبرى. فالتأخير في الإنجاز غالباً ما يواجه بحلول إدارية (محاضر، اجتماعات، تمديدات)، دون أن تكون هناك مساءلة حقيقية للشركات التي تخلفت عن وعودها، أو مكاتب الدراسات التي وضعت جداول زمنية غير واقعية. إن المسؤولية هنا تتوزع بين غياب الصرامة في دفاتر التحملات وبين ضعف التتبع الميداني الاستباقي للمشاريع.
إن غياب التنسيق بين مختلف المتدخلين (الإدارة، المقاولات، الأكاديمية) يظهر من خلال تكرار نفس السيناريو في مشاريع وطنية متعددة، حيث يتحول “التأخير” إلى قدر محتوم يتم التعايش معه، بدلاً من أن يكون مناسبة للمساءلة القانونية والسياسية. إن التحدي يكمن في تحويل “المحاضر الورقية” إلى “آليات فعلية للمحاسبة” تُحمل المقصرين تبعات الإخلال بالالتزامات تجاه المواطن والدولة.
6. ما الذي يجب أن يتغير؟ (توصيات تصحيحية)
أولاً، يجب الانتقال من منطق “التدبير بالبدائل” إلى منطق “الشفافية في التدبير”، عبر نشر تقارير دورية للرأي العام حول حالة تقدم الأشغال في المشاريع الكبرى، وتحديد أسباب التأخير بكل دقة. ثانياً، لا بد من مراجعة منظومة الصفقات العمومية لتشمل عقوبات زجرية واضحة ومباشرة للمقاولات التي تخلف مواعيدها، مع تفعيل مبدأ “القائمة السوداء” بشكل عملي، لا نظري.
علاوة على ذلك، يجب على وزارة التعليم العالي تبني مقاربة تشاركية فعلية مع ممثلي الطلبة والمجتمع المدني في الحسيمة عند وضع “البدائل البيداغوجية”، لضمان أن تكون هذه الحلول، وإن كانت مؤقتة، ذات جودة تضمن حق الطالب في تعليم سليم. إن العدالة المجالية لا تتحقق بوضع الحجر الأساس فقط، بل باستكمال البناء في آجاله المحددة وبمعايير الجودة الموعودة.
7. خاتمة: دعوة إلى المحاسبة والنهوض
إن مركب أيت قمرة ليس مجرد بنايات من إسمنت، بل هو أمل معقود على سياسة ترابية كان يُفترض أن تصحح اختلالات سنوات من التهميش. إن استمرار “سياسة الوعود المؤجلة” يضع المؤسسات في اختبار حقيقي لمصداقيتها أمام جيل يراقب، ويُحلل، وينتظر أفعالاً توازي حجم الطموحات الوطنية.
إننا ندعو إلى تجاوز “فلسفة التبرير” نحو “ثقافة المحاسبة”. إن بناء الوطن يبدأ من احترام الزمن العام للمواطن، ومن تقديس الالتزامات المؤسساتية. فليكن ملف أيت قمرة درساً بليغاً في أهمية الحكامة الرشيدة، ودعوة صريحة لأصحاب القرار بأن المواطن لم يعد يكتفي بشعارات التنمية، بل هو في حاجة ماسة إلى نتائج ملموسة تترجم على أرض الواقع، بمسؤولية وشفافية وبلا تأخير.




















