“لهدم الكعبة حجرًا حجرًا، أهون عند الله من قتل مسلم واحد بغير حق.” هذه ليست عبارة عاطفية عابرة، بل استحضار لما ثبت في الأثر عن النبي ﷺ حين قال: «من آذى مسلمًا بغير حق فكأنما هدم بيت الله» (رواه الطبراني). فماذا لو لم يكن الأمر مسلمًا واحدًا، بل عشرات الآلاف؟
منذ السابع من أكتوبر 2023، وحتى الآن، تجاوزت حصيلة الشهداء في قطاع غزة 73 ألفًا و650 شهيدًا، بينهم آلاف الأطفال، وأكثر من 174 ألف جريح، وفق آخر بيانات وزارة الصحة الفلسطينية. ورغم اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر 2025، سقط منذ ذلك التاريخ وحده أكثر من 1300 شهيد إضافي، ولا يزال الأطفال يُقتلون في القطاع أسبوعًا بعد أسبوع.
حين تُهدَّد مكة بمسيّرة، وحين يُهدَّم بيت الله في غزة كل يوم
هذا الأسبوع، أعلنت المملكة العربية السعودية اعتراض طائرة مسيّرة زعمت أنها كانت متوجهة نحو مكة المكرمة، ونفى اليمن ذلك جملة وتفصيلًا، ووصفه بـ”الكذبة” المروجة لتحريض العالم الإسلامي. سواء صحّ هذا الادعاء أو لم يصح، فإن سرعة التعبئة الدينية والإعلامية والدبلوماسية التي واكبت مجرد الاحتمال، تكشف بوضوح أن المملكة تعرف جيدًا كيف تُحرّك مشاعر مليارَي مسلم في لحظة واحدة حين يتعلق الأمر بالحرم.
فأين كانت هذه السرعة، وأين كان هذا الغضب الديني المُعلن، طوال سنوات كان فيها آلاف المسلمين يُقتلون في غزة تحت القصف، وبيوتهم تُهدم فوق رؤوسهم، ومستشفياتهم ومدارسهم تتحول إلى أنقاض، على مرأى ومسمع من نفس الدول التي تدّعي حراسة الحرمين؟
ميزان النبي ﷺ لا ميزان البروتوكول
النبي ﷺ لم يجعل حرمة الكعبة الحجرية تعلو على حرمة الإنسان المسلم؛ بل جعل أذى المسلم الواحد بغير حق أعظم عند الله من هدم بيته الحرام نفسه. فكيف يكون منطقيًا أن تتحرك المنظومة الدينية والدبلوماسية بكامل طاقتها لمجرد الشك في تهديد لبناء حجري، وتبقى شبه صامتة أمام إبادة مستمرة وموثقة بالأرقام الرسمية لعشرات الآلاف من البشر؟
هذا ليس تقليلًا من حرمة مكة، بل استحضارًا لما هو أعمق: أن حرمة الإنسان في ميزان الشريعة تسبق حرمة الحجر، وأن من يرفع صوته لحماية البناء ويخفضه أمام سفك الدم، عليه أن يواجه هذا التناقض أمام نفسه أولًا وأمام أمته ثانيًا.
سؤال لا يحتمل التأجيل
لا أحد يطالب بالتهاون مع أي تهديد حقيقي للحرمين الشريفين. لكن الأمة التي تستحق أن تُخاطَب بلغة “حرمة بيت الله” هي الأمة التي ترى في كل مسلم يُقتل في غزة جزءًا من نفس هذه الحرمة، لا مجرد خبر عابر في نشرة يومية. فالمقياس الذي يُستدعى بسرعة أمام شبح خطر محتمل على حجر، يجب أن يُستدعى بالسرعة نفسها، وبالصوت نفسه، أمام إبادة فعلية وموثقة ومستمرة لبشر.
فلنعد قراءة الحديث كما هو: «من آذى مسلمًا بغير حق فكأنما هدم بيت الله». وليسأل كل من يملك منبرًا أو قرارًا: أين كان صوتي حين هُدم بيت الله في غزة، حجرًا حجرًا، وإنسانًا إنسانًا؟



















