الريف وجريمة الأسلحة الكيماوية: لماذا يرفض الأرشيف الإسباني الانفتاح بعد قرن من القصف؟

حين يعتذر الملك عن أمريكا ويصمت عن الريف، فهذا ليس نسيانًا، بل اختيار.

حسيمة سيتيمنذ ساعتينآخر تحديث :
صورة تاريخية لحرب الريف 1921-1927 — قصف إسباني بغاز الخردل على مناطق مأهولة
صورة تاريخية لحرب الريف 1921-1927 — قصف إسباني بغاز الخردل على مناطق مأهولة
الأستاذ عمر أزحاف
الريف وجريمة الأسلحة الكيماوية: لماذا يرفض الأرشيف الإسباني الانفتاح بعد قرن من القصف؟

في مارس 2026، وقف الملك الإسباني فيليبي السادس ليُقرّ بوجود “اعتداءات وانتهاكات” رافقت الغزو الإسباني لأمريكا اللاتينية، في خطوة وصفتها وسائل الإعلام الغربية بـ”التاريخية”. لكن في الوقت نفسه، يجلس أبناء الريف في شمال المغرب يتساءلون بمرارة: لماذا نحن استثناء؟ لماذا يُعترف بضحايا المكسيك، ويُتجاهل ضحايا الحسيمة ونواحيها؟

الجواب ليس في النسيان. الجواب في الأرشيف المغلق.

قصف بالغازات على مدنيين: الوقائع التي لا تقبل الجدل

بين عامَي 1921 و1927، نفّذ الجيش الإسباني ضربات جوية بأسلحة كيماوية على مناطق الريف، في واحدة من أولى حالات استخدام غاز الخردل من الجو في التاريخ الحديث، بعد الحرب العالمية الأولى. الهجمات لم تُفرّق بين مقاتل ومدني؛ القرى، والأسواق، ومصادر المياه، كلها طالها القصف في سياق انتقامي صريح أعقب هزيمة “أنوال” المُذلّة للجيش الإسباني.

هذه ليست رواية شفهية ولا ادّعاءً سياسيًا. إنها نتائج أبحاث تاريخية اعتمدت على أرشيفات إسبانية وأوروبية، وعلى شهادات ضباط شاركوا في العمليات بأنفسهم.

السرطان في الريف: أرقام تُزعزع الضمير

المفارقة المؤلمة أن النقاش لا يبقى حبيس الكتب. فوفق رئيس رابطة ضحايا الغازات السامة (ATGV) بالريف، فإن نسبة مرضى السرطان في المنطقة تُشكّل نحو 50% من حالات السرطان في المغرب في بعض التقديرات، وهو رقم يصعب تفسيره بمعطيات عادية. كما أشارت أسئلة برلمانية أوروبية إلى أن الريف يُسجّل أعلى معدل لمرض السرطان في المغرب.

غير أن الأمانة العلمية تفرض التوضيح: لم يُثبت حتى الآن أي دراسة علمية مستقلة ومكتملة وجود علاقة سببية مباشرة قاطعة بين القصف الكيماوي وارتفاع معدلات السرطان.

لكن هنا تحديدًا يكمن جوهر الإشكال:

الوثائق مغلقة، فمن أين يأتي الحسم العلمي؟

أبحاث طبية من دراسات إيران وحلبجة وغيرهما تؤكد أن التعرض لغاز الخردل يُضاعف خطر الإصابة بسرطانات الجهاز التنفسي والجلد بنسب مرتفعة جدًا. غياب الأرشيف لا يدحض هذه الاحتمالية، بل يمنع الإثبات أو النفي معًا، وهذا بحد ذاته جريمة في حق البحث العلمي وفي حق الضحايا.

رفض إسبانيا الرسمي: مشهد يكشف ازدواجية المعايير

عام 2007، تقدّم حزب اليسار الجمهوري الكاتالوني بمشروع قانون أمام البرلمان الإسباني يطالب بالاعتراف بـ”الاستخدام الممنهج” للأسلحة الكيماوية في الريف. رُفض القانون بأصوات أحزاب الأغلبية.

لا بيانٌ رسمي، لا اعتذار، لا فتح للأرشيف، لا دعم للبحث العلمي. فقط صمت مؤسسي مدروس.

المطلب واضح: ثلاثة أشياء لا غير

أمام هذا الواقع، يطالب الريفيون والمدافعون عن حقوق الضحايا بما يلي:

  • فتح الأرشيف العسكري والطبي الإسباني المرتبط بعمليات حرب الريف كاملًا وبلا استثناء
  • الاعتراف الرسمي باستخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين بوصفه جريمة تاريخية موثقة
  • دعم البحث العلمي المستقل لدراسة الأثر الصحي والبيئي طويل المدى على ساكنة المنطقة

السؤال الذي لا مفر منه

حين يعترف الملك فيليبي السادس بالانتهاكات الاستعمارية في أمريكا، فهو يُقرّ ضمنيًا بمبدأ: الضحايا لا يسقطون بالتقادم.

فإذا كان هذا المبدأ صحيحًا في المكسيك، يجب أن يكون صحيحًا في الحسيمة. وإذا كان الأرشيف يفتح في جهة، فلا مسوّغ أخلاقيًا لإبقائه مغلقًا في أخرى.

الصمت في هذه القضية لم يعد حيادًا. الصمت اختيار سياسي.
والتاريخ لا يُكتب بالاعتذارات المنتقاة، بل بالوثائق الكاملة.

المصدر حسيمة سيتي - خاص
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق