لم يعد ملف الكلاب الضالة في إقليم الحسيمة مجرد أزمة بيئية وصحية تؤرق بال الساكنة المحلية وتستنزف الشعور بالأمان في الأحياء، بل تحول بمرور السنوات وبشكل لافت إلى أداة للسجال وتصفية الحسابات السياسية وتبادل الأدوار بين الأمس واليوم. ويكشف هذا التتبع الاستقصائي كيف تحول مشروع إنساني وعلمي كان يُفترض أن ينقذ الشوارع من خطر محدق إلى لمجرد حبر على ورق عجز المجلس البلدي السابق لمدينة الحسيمة برئاسة محمد بودرا عن تنزيله على أرض الواقع طيلة سنوات من تحمل المسؤولية التسييرية.
وتعود جذور هذا الملف الشائك إلى الولاية الانتدابية السابقة التي امتدت بين الفترات الماضية، حيث شهدت أحياء الحسيمة، وخاصة كلابونيطا ومحيط الميناء والوسط الحضري، تدفقاً قياسياً للكلاب الضالة التي أثارت تذمراً شعبياً عارماً وتهديدات صحية حقيقية بلغت ذروتها خلال فترة الحجر الصحي المصاحب لجائحة كورونا. ومع صدور دورية وزارة الداخلية المغربية الصارمة التي منعت كلياً مقاربات الإبادة التقليدية بالرصاص والسموم، دخل المجلس البلدي آنذاك في مرحلة عجز تدبيري وميداني تام، حيث أنهى الرئيس ولايته وغادر الجماعة دون إنشاء المحجز البلدي الموعود ودون تفعيل عملي للحلول البديلة.

مسار التعثر وتراكم المخلفات الميدانية
أفرزت تلك السنوات التي تلت جائحة كورونا وضعاً بيئياً مقلقاً في شوارع الحسيمة، حيث بقيت الساكنة تواجه خطراً حقيقياً يتمثل في انتشار الحيوانات المفترسة بالقرب من التجمعات السكنية والمؤسسات التعليمية. ولم تكن المجالس المنتخبة قادرة على تقديم إجابات عملية ترقى لحجم التحدي المفروض، في ظل غياب البنيات التحتية اللوجيستية الضرورية لإيواء ومعالجة هذه الحيوانات وفق المعايير المعمول بها وطنياً، وهو ما جعل الشارع المحلي يعيش على وقع هواجس داء السعار ومخاطر الهجمات المفاجئة على المارة والأطفال في ساعات الصباح والمساء.
وفي محاولة واضحة للتنصل من التبعة السياسية والأخلاقية قبل مغادرة كرسي الرئاسة، سارع مجلس بودرا في أيامه الأخيرة إلى المشاركة في صياغة اتفاقية شراكة مؤسساتية كبرى ضمت وزارة الداخلية، ووزارة الصحة، ومكتب السلامة الصحية، وهيئة الأطباء البياطرة، لتبني المقاربة العلمية البديلة المعروفة بـ التجميع والتعقيم والتلقيح ثم الإعادة. غير أن هذه الاتفاقية ظلت طريحة الرفوف البيروقراطية دون رصد اعتمادات مالية حقيقية أو إرساء آليات للتنزيل الميداني الفوري، مما أبقى الوضع على ما هو عليه وترك المجالس المتعاقبة تواجه تركة ثقيلة وموروثاً ميدانياً معقداً.
من المسؤول التنفيذي إلى عباءة المعارضة
التحول الأبرز في هذا الملف تمثل في الانتقال الجذري لخطاب الفاعلين السياسيين بعد تغير مواقعهم من الأغلبية المسيرة إلى صفوف المعارضة. فبعدما كان الرئيس السابق يمتلك كافة الصلاحيات التنفيذية والمالية لفرض حلول جذرية وإنشاء المحجز المنشود، عاد ليتقمص في الآونة الأخيرة دور الناقد والمطالب الملح بضرورة تسريع تنزيل الاتفاقية المؤسساتية التي ساهم في تعطيلها طيلة فترة ولايته، متسائلاً باستنكار عن أسباب التأخر الحاصل في حماية الأطفال والمسنين من أخطار الشارع.
ويعكس هذا التناقض الصارخ محاولة واضحة لإعادة توجيه بوصلة الغضب الشعبي نحو الجهات الحالية، متجاهلاً حقيقة أن الفئات الهشة نفسها هي التي عانت الأمرين من التقصير وغياب البدائل الطبية والوقائية طيلة سنوات تواجده على رأس هرم السلطة المنتخبة بالحسيمة. هذا التوظيف السياسي لملف ذي طابع إنساني وصحي يطرح علامات استفهام كبرى حول مدى جدية الخطاب الحزبي في التعاطي مع قضايا المواطنين اليومية، وكيف تتحول المعاناة اليومية للساكنة إلى ورقة ضغط في صراعات المواقع الانتخابية.
تقاطع المعطيات وحقيقة الوضع الميداني
تؤكد المعطيات الميدانية المستقاة من تقاطع تقارير الفاعلين المحليين والشهادات الحية للساكنة أن أزمة الكلاب الضالة بالحسيمة لا يمكن حلها عبر المزايدات السياسية الموسمية، بل تتطلب تعبئة جماعية ومالية حقيقية تتجاوز الحسابات الضيقة. فالسلطات الحالية والشركاء المؤسساتيون مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى بتجاوز إشكاليات التمويل والاعتمادات العالقة، والشروع في تفعيل مراكز التعقيم والتلقيح وفق معطيات علمية واضحة ومستدامة تضمن سلامة المواطنين وتحترم في نفس الوقت المقاربة الإنسانية المعتمدة.
إن الاستمرار في تبادل الاتهامات وتحميل المسؤوليات بين الأمس واليوم لن يغير من واقع الشوارع شيئاً، ولن يرفع شبح الخطر عن المصلين والتملاسيس وكلابونيطا وباقي أحياء المدينة. والواقع أن المواطن البسيط لم يعد يعنيه من تسبب في تأخير المشروع قدر ما يعنيه رؤية نتائج ملموسة تحميه وأبناءه من أخطار بيئية وصحية باتت تنغص تفاصيل حياته اليومية في مدينة يفترض أن توفر الحد الأدنى من شروط العيش الكريم.
خاتمة وسؤال مفتوح
تبقى أزمة الكلاب الضالة بالحسيمة مرآة حقيقية لمدى نجاعة التدبير المحلي في التعاطي مع القضايا الحساسة حين تتقاطع مع المصالح السياسية والحزبية. وأمام هذا الواقع المأزوم، يظل السؤال الأبرز معلقاً في ذمة كل المسؤولين السابقين والحاليين: إلى متى سيبقى أمن المواطن الصحي والبيئي رهينة في دفاتر التجاذبات السياسية وأوراق الضغط المؤقتة، ومتى يتحول الالتزام المؤسساتي من مجرد شعارات على الورق إلى أفعال ميدانية تنقذ شوارع الحسيمة من شبح الخطر المحدق؟


















