مؤتمر الرباط يضع التعليم والعدالة والحريات في صلب مطالبه، ويجدد هياكله برئاسة رشيد راخا لولاية 2026–2030
الحسيمة – حسيمة سيتي
دعا التجمع العالمي الأمازيغي إلى الانخراط في بناء «اتحاد تامازغا»، باعتباره مشروعا للتعاون والتكامل والتضامن بين الشعوب والمجتمعات الأمازيغية، مؤكدا أن نجاحه يرتبط باحترام الحقوق والحريات والمشاركة الديمقراطية، ورفض العنف والإقصاء والهيمنة.
وجاءت الدعوة في البيان الختامي للمؤتمر الحادي عشر لأمازيغ العالم، الذي توصل موقع «حسيمة سيتي» بنسخة منه، عقب انعقاده يومي 6 و7 نونبر 2026 بنادي المحامين بالرباط، بشراكة مع مؤسسة فريدريش ناومان من أجل الحرية وجريدة «العالم الأمازيغي».
وشدد البيان على أن الأمازيغية ليست شأنا لغويا وثقافيا فحسب، بل قضية حقوق وكرامة ومواطنة متساوية ومشاركة في الحياة العامة، داعيا إلى الانتقال من الاعتراف المبدئي إلى التنفيذ والتقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة.

«اتحاد تامازغا»… تعاون منظم لا أداة للهيمنة
انعقد المؤتمر تحت شعار «اتحاد تامازغا: ما الأدوار التي ينبغي أن تضطلع بها الشعوب والمجتمعات الأمازيغية من أجل المساهمة في بنائه؟»، بمشاركة فاعلين أمازيغ، وممثلين عن الشعوب الأصلية بإفريقيا، ومندوبين عن جمعيات ومنظمات من شمال إفريقيا والجاليات المقيمة بأوروبا وأمريكا الشمالية، وفق البيان.
وقدم التجمع المشروع بوصفه أفقا استراتيجيا للتعاون بين الشعوب والمجتمعات، يحترم إرادتها الحرة وخصوصياتها اللغوية والثقافية والاجتماعية. وأكد أنه لا ينبغي أن يتحول «بأي حال من الأحوال، إلى أداة للهيمنة أو الإقصاء أو المساس بحقوق أي شعب أو مكون».
ولا يعلن البيان قيام اتحاد مؤسساتي مكتمل، ولا يحدد صيغة دستورية أو ترتيبات سيادية له، بل يطرح مسارا لبنائه، يبدأ بالتنسيق المنتظم بين الفاعلين وإعداد أرضية مشتركة للعمل العابر للحدود.
وفي هذا الإطار، دعا إلى تطوير التعاون في التعليم والبحث العلمي والترجمة والنشر والإعلام والثقافة والاقتصاد، وتوثيق التاريخ الأمازيغي وصيانة التراث والذاكرة الجماعية، فضلا عن توسيع مشاركة الشباب والنساء والباحثين والمبدعين.
المغرب: خطة ممولة بدل الاكتفاء بالاعتراف
في الشق المتعلق بالمغرب، طالب التجمع بتسريع تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية، وتعميم تدريسها وتعزيز حضورها في المؤسسات والفضاءات العمومية.
ووجه دعوة إلى الحكومة والمؤسسات العمومية لوضع خطة وطنية وجهوية واضحة، مدعومة بالموارد المالية والبشرية، تشمل التعليم والتكوين والإدارة والقضاء والإعلام والثقافة والخدمات العمومية.
ويبرز في هذا المطلب تشديد على شروط التنفيذ، لا على إعلان النوايا وحده؛ إذ ربط البيان إدماج الأمازيغية بتوفير الكفاءات والميزانيات وآليات التتبع والتقييم والمحاسبة.
وفي التعليم، دعا إلى تعميم تدريس اللغة من التعليم الأولي إلى الثانوي، وتعزيز تكوين الأساتذة المتخصصين والرفع من المناصب المخصصة لهم وتطوير الوسائل البيداغوجية. كما طالب بتوسيع مسالك الدراسات الأمازيغية في الجامعات، ودعم البحث العلمي، وتعزيز تعليم اللغة والثقافة الأمازيغيتين لأبناء الجالية.
العدالة والخدمات العمومية في صلب المطالب
خصص البيان حيزا للحقوق اللغوية داخل منظومة العدالة، مطالبا بتكوين القضاة ومهنيي القطاع وتمكينهم من التواصل بالأمازيغية، وإدراجها في مراحل المساطر القضائية.
كما دعا إلى تحرير وترجمة وصياغة النصوص القانونية والوثائق الرسمية الأساسية بالأمازيغية، رابطا ذلك بالمساواة أمام القانون والولوج المنصف إلى العدالة.
وفي الإدارة والإعلام، طالب بتعزيز حضور اللغة في وسائل الإعلام العمومية والصحافة المكتوبة والرقمية والسمعية البصرية، وإدراجها في الوثائق والمواقع الإلكترونية واللوحات التشويرية والتجهيزات العمومية.
وبذلك يضع المؤتمر تفعيل الحقوق اللغوية في صلب علاقة المواطن بالمؤسسة: في المدرسة والمحكمة والإدارة، لا في المناسبات الثقافية وحدها.

الجزائر: انتقاد القيود ودعوة إلى الإفراج عن المعتقلين بسبب أنشطتهم السلمية
أعرب التجمع عن أسفه لغياب الوفد الجزائري، وعزا ذلك إلى استمرار إغلاق الحدود البرية والجوية بين الجزائر والمغرب، محملا السلطات الجزائرية مسؤولية هذا الوضع.
كما سجل، بحسب تقييمه، استمرار قيود على مناضلي الحركة الأمازيغية وحريات التعبير والتنظيم وإظهار الرموز الأمازيغية.
ودعا السلطات الجزائرية إلى ضمان التظاهر السلمي، والإفراج عن المعتقلين السياسيين بسبب أنشطتهم السلمية، وإعادة النظر في المتابعات المرتبطة بممارسة الحقوق الأساسية، مع ضمان المحاكمة العادلة. وطالب أيضا بتفعيل الاعتراف الدستوري بالأمازيغية في التعليم والإعلام والإدارة، وفتح حوار مع الفاعلين الأمازيغ.
وترد هذه المواقف بوصفها مطالب وتقديرات للتجمع في بيانه، وليست حصيلة تحقق مستقل من كل الوقائع التي يستند إليها.
ليبيا وتونس وموريتانيا: الاعتراف والمشاركة وحماية الذاكرة
بخصوص ليبيا، عبّر المؤتمر عن قلقه مما وصفه بتهميش الأمازيغ في المسارات السياسية والدستورية، وطالب بمشاركتهم الفعلية في الحوار المتعلق بمستقبل البلاد.
ودعا إلى الاعتراف الدستوري بالأمازيغية لغة وطنية رسمية، وعدم إخضاع الحقوق اللغوية والثقافية للتوافقات الظرفية، مع ضمان مشاركة سكان المناطق الناطقة بها في تدبير شؤونهم المحلية.
وفي تونس، انتقد محدودية الاعتراف المؤسساتي باللغة والثقافة الأمازيغيتين، داعيا إلى حماية دستورية وقانونية، وإتاحة تعلم اللغة، وتوثيق التراث ونقله إلى الأجيال الشابة، وتعزيز حضوره في الإعلام والبحث العلمي.
أما في موريتانيا، فطالب بفتح نقاش وطني ومؤسساتي حول المكون الأمازيغي ومساهمته التاريخية، ودعم التوثيق وحماية التراث والمبادرات الثقافية، وضمان حرية العمل المدني في الدفاع السلمي عن الحقوق اللغوية والثقافية.
أزواد: حماية المدنيين وتسوية تفاوضية
في الملف الأزوادي، أعلن التجمع تضامنه مع السكان، ولا سيما النازحين واللاجئين والمتضررين من النزاع المسلح، ودعا إلى وقف الهجمات على المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني وضمان وصول المساعدات.
وطالب بحوار سياسي يفضي إلى تسوية عادلة ومستدامة تضمن مشاركة السكان في تقرير مستقبل منطقتهم، مع دعم تدبيرهم لشؤونهم المحلية، بما في ذلك «دراسة صيغ للحكم الذاتي في إطار تسوية سياسية تفاوضية».
كما دعا الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي إلى تكثيف الوساطة والعمل الإنساني ودعم المصالحة وإعادة الإعمار والعودة الآمنة والطوعية للنازحين واللاجئين، وإرساء آليات لرصد الانتهاكات وملاحقة المسؤولين عنها.
الجاليات… شريك في صيانة اللغة لا مجرد امتداد جغرافي
أفرد البيان محورا للجاليات الأمازيغية بأوروبا وجزر الكناري وسبتة ومليلية وباقي بلدان المهجر، مؤكدا دورها في نقل اللغة والثقافة والذاكرة إلى الأجيال الجديدة.
ودعا الحكومات والمؤسسات الجهوية والبلدية المعنية إلى دعم برامج منتظمة لتعليم الأمازيغية تراعي تنوعها اللغوي، ومساندة الجمعيات والمراكز الثقافية، وتعزيز حضور الثقافة الأمازيغية في المؤسسات الإعلامية والثقافية.
وربط حماية هذه الحقوق بمواجهة العنصرية وخطابات الكراهية وضمان تكافؤ الفرص، مع التأكيد على المشاركة والاندماج الإيجابي في مجتمعات الإقامة.
تجديد الهياكل لولاية 2026–2030
على المستوى التنظيمي، أعلن البيان تجديد هياكل التجمع وانتخاب مكتب كونفدرالي جديد لولاية 2026–2030، يضم، وفق الأسماء الواردة فيه:
- رشيد راخا: رئيس التجمع العالمي الأمازيغي.
- الدكتور ميمون الشرقي: الرئيس الشرفي.
- سلوى الغربي: الرئيسة المنتدبة بإسبانيا.
- أمينة ابن الشيخ: الرئيسة المنتدبة بالمغرب.
- محمد محمود طلبة: الرئيس المنتدب بموريتانيا.
من إعلان المشروع إلى اختبار التنفيذ
تتمثل الرسالة المركزية للمؤتمر في ربط مشروع «اتحاد تامازغا» بحقوق قابلة للممارسة وبعمل مشترك يتجاوز اللقاءات الظرفية. فالبيان لا يكتفي بالدعوة إلى التضامن، بل يطالب بآليات تنسيق وبرامج تعاون وموارد وتقييم.
ومع ذلك، يبقى الانتقال إلى التنفيذ هو الاختبار المقبل. فالوثيقة تحدد اتجاهات ومطالب واسعة، لكنها لا تقدم جدولا زمنيا تفصيليا أو ميزانية أو جهازا تنفيذيا خاصا بالمشروع.
ولهذا ستُقاس حصيلة الدعوة بما يليها من خطوات: انتظام التنسيق، وإطلاق برامج تعليمية وثقافية وبحثية مشتركة، وتمكين الشباب والنساء من المشاركة، وتحويل الترافع الحقوقي إلى نتائج ملموسة.
فالاعتراف، كما يؤكد البيان في خلاصته، ليس نهاية المسار. الرهان هو أن تصل آثاره إلى حياة الناس، وأن يصبح التعاون المعلن عملا منظما يمكن تتبع نتائجه ومساءلة القائمين عليه.


















