الذكاء الاصطناعي هكذا سرقوا 129 مليون دولار

حسيمة سيتي8 نوفمبر 2026آخر تحديث :
الذكاء الاصطناعي هكذا سرقوا 129 مليون دولار
بقلم: عبد السلام العمراني

تتسلل التكنولوجيا أحيانا إلى زوايا غير مألوفة، لتتحول أدوات الابتكار الكبرى إلى وسائل دقيقة في أيدي شبكات جريمة عابرة للقارات. لم يعد الأمر مجرد خيال سينمائي يعرضه الشاشات الكبرى، بل تحول إلى وقائع مسجلة في ملفات القضاء الفيدرالي الأمريكي، حيث أدت مكالمة هاتفية واحدة مطابقة لصوت المدير التنفيذي، رفقة محام دولي وهمي، إلى انهيار حواجز الحماية المالية داخل مؤسسات ضخمة.

أعلنت وزارة العدل الأمريكية تفاصيل قضية هزت أوساط المال والأعمال، بعد توجيه اتهامات رسمية إلى ثلاثة أشخاص بالاستيلاء على أكثر من 129 مليون دولار من شركات ومؤسسات صحية ومصرفية في الولايات المتحدة ودول أخرى. لم تكن الطريقة تقليدية تعتمد على القرصنة البرمجية المعتادة، بل استندت إلى الهندسة الاجتماعية المعززة بتقنيات متقدمة تحاكي الأصوات والصور بدقة مذهلة.

مكالمة مقنعة من المدير التنفيذي

بدأت خيوط القضية تتكشف وفقا للائحة الاتهام الصادرة عن النيابة الاتحادية في المنطقة الجنوبية من نيويورك، حيث استهدف الجناة الموظفين العاملين في الأقسام المالية والمحاسبية بالشركات المستهدفة. كان الموظف يتلقى رسالة تبدو صادرة من أعلى هرم الإدارة في شركته، تتحدث عن صفقة مالية حساسة تتطلب تدخلا عاجلا وسريا.

ولم تتوقف الخدعة عند الرسائل النصية المكتوبة، بل كانت تعقبها اتصالات هاتفية أو مرئية استُخدمت فيها تقنيات الذكاء الاصطناعي لتقليد نبرة صوت المدير التنفيذي بدقة متناهية. وأمام هذا الصوت المألوف والملامح المقنعة، كان الموظف يجد نفسه مستعدا لتنفيذ التعليمات دون تردد، لا سيما حين يطلب منه المدير التواصل مع محام يمثل مكتبا دوليا كبيرا يشرف على الصفقة.

وفي تلك اللحظة، كان على الطرف الآخر من خط الاتصال محام مزيف ينتظر إتمام الدور المرسوم له بدقة، ليتكامل المشهد أمام الضحية الذي يرى نفسه أمام طرفين موثوقين يؤكدان بعضهما البعض، قبل أن يُطلب منه تحويل مبالغ مالية جسيمة إلى حسابات مصرفية خارج السيطرة.

نص مكتوب لإحكام السيطرة على الضحايا

أظهرت التحقيقات التي أجرتها الجهات الأمنية تفاصيل دقيقة حول طريقة عمل أفراد هذه الشبكة، وكان من أبرزها ما عُثر عليه بحوزة أحد المتهمين ويسمى جاكوب سوال. هذا الشخص، الذي تولى غالبا انتحال صفة محامين بريطانيين، احتفظ بنص مكتوب بخط اليد يحمل عنوان مكالمة المحامي.

ولم يكن ذلك النص مجرد ملاحظات عابرة، بل تضمن عبارات مدروسة بعناية لإقناع الموظفين بعدم مناقشة الاتصالات مع أي من زملائهم في العمل. وأصبح الحفاظ على السرية سلاحا قويا في يد المحتالين، إذ إن الخوف من إفشال صفقة حساسة للشركة كان يدفع الموظفين لتجنب أي تحقق إضافي قد يكشف الخدعة.

هذا الأسلوب المدروس جعل من الصعب على الضحايا إدراك أنهم يقعون ضحية عملية نصب منظمة، فكل تفصيل كان مصمما بعناية ليبدو جزءا من روتين العمل اليومي داخل الشركات الكبرى.

مؤسسات متنوعة في دائرة الخسائر

لم تقتصر الخسائر على قطاع دون غيره، فقد امتدت شبكة الاستهداف لتشمل مؤسسات صحية ومصرفية واستثمارية متعددة الجنسيات. وأوضحت لائحة الاتهام أن الأموال المسروقة تدفقت من جهات مختلفة، شملت مؤسسات صحية في ولايات أمريكية مثل ميزوري وكاليفورنيا، وبنوكا في رود آيلاند، إضافة إلى شركات مالية في المملكة المتحدة وصناديق استثمار في ماساتشوستس.

وبلغت قيمة التحويلات أرقاما ضخمة تجاوزت الملايين في كل عملية منفردة، ما يعكس حجم الضرر الذي لحق بهذه الكيانات الاقتصادية. ولم تكن هذه المؤسسات لتعتقد أن تقنيات التواصل الحديثة التي تثق بها قد تنقلب ضدها بهذه الطريقة المباغتة.

مسار الأموال والعملات المشفرة

بعد إتمام عمليات التحويل الناجحة، واجهت الأجهزة الأمنية تحديا آخر في تتبع مسار الأموال التي جرى توجيهها نحو حسابات مصرفية موزعة في عدة دول حول العالم. ولم تتوقف الأموال عند تلك الحسابات، بل كانت تُحول بسرعة إلى عملات مشفرة لإخفاء مصدرها الحقيقي وصعوبة تتبعها.

وتشير وثائق القضية إلى أن أحد المتهمين، ويدعى شارون حزان، تفاخر بخبرته الطويلة في مجال غسل الأموال، زاعما أنه أدار مبالغ طائلة خلال السنوات السابقة. ورغم هذه المحاولات المكثفة لمحو الآثار المالية، تمكنت الأجهزة المختصة من تتبع الخيوط وتفكيك جزء كبير من هذا المخطط المعقد.

ملاحقة قضائية وتوقيفات دولية

توجت التحقيقات المكلفة بتحديد هوية المتهمين بصدور مذكرات توقيف دولية ومحلية، حيث أُلقي القبض على جاكوب سوال وشارون حزان في إسبانيا خلال فترات متفرقة من عام 2026، بينما جرى توقيف المتهم الثالث غاي شطريت في المملكة المتحدة.

وتسعى السلطات الأمريكية إلى تسليم المتهمين لمحاكمتهم أمام القضاء الفيدرالي بتهم ثقيلة تشمل التآمر لارتکاب احتيال إلكتروني، وسرقة الهوية المشددة، وغسل الأموال. وتواجه هذه العناصر أحكاما قاسية قد تصل إلى السجن لعقود طويلة في حال إدانتهم بالجرائم المنسوبة إليهم.

تحذيرات متجددة لمواجهة الاحتيال التقني

أثارت هذه القضية موجة واسعة من التحذيرات في أوساط الشركات والمؤسسات المالية بشأن ضرورة تطوير آليات التحقق الداخلي. فالاعتماد على التعرف على الصوت أو ملامح الوجه عبر الشاشات لم يعد كافيا للتأكد من هويات المتصلين في ظل قدرة خوارزميات الذكاء الاصطناعي على تزييف الواقع.

وأكدت الجهات القضائية والأمنية أن مواجهة هذا النوع المستجد من الجرائم يتطلب يقظة مؤسسية مستمرة وإجراءات أمان إضافية لا تعتمد فقط على الحواس الظاهرة، بل تستند إلى قواعد تحقق صارمة لا تترك مجالا للصدفة أو الثقة المطلقة في اتصالات العمل الحساسة.

المصدر وكالات
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق