مشهد متكرر مع كل قطرة مطر صيفية
لم تكد سحب الصيف الركامية تنقشع عن قمم الجبال حتى وجد مئات القرويين أنفسهم في مواجهة مباشرة مع عزلة مفروضة، بعدما تحولت مسالكهم اليومية إلى مجارٍ جارفة للأتربة والأحجار. هذا المشهد، الذي يتكرر كل موسم صيف مع هطول الزخات الرعدية، يعيد تسليط الضوء على المعاناة الصامتة لساكنة العالم القروي مع البنية التحتية الهشة.
خريطة الأضرار: من طاطا إلى الحوز
أظهرت المعطيات الميدانية تسجيل أضرار بليغة بالشبكة الطرقية، المعبدة وغير المعبدة، بعدد من أقاليم المملكة؛ ففي إقليم طاطا، تضررت النقط الطرقية المؤدية إلى دوار ‘فيدوكس’ بجماعة تكزميرت، ما دفع الفاعلين المحليين إلى محاولات مضنية لفتح المسالك بآليات متواضعة لتفادي العزلة التامة.
ولم يكن الوضع أفضل حالاً في إقليم تارودانت، حيث شهد دوار ‘تيداس’ بجماعة أيت عبد الله جرفاً كبيراً للمسلك غير المعبد الوحيد الرابط بالبلدة. وفي إقليم تيزنيت، أدت حمولة الأودية بجماعة أملن إلى أضرار واضحة في الطريق المؤدية إلى ‘أيت واسيم’. أما في زاكورة، فقد طالت السيول مقاطع من الطريق الوطنية رقم 9، وتحديداً عند قنطرة ‘تيفرخين’، بالتزامن مع السيول الجارفة التي اجتاحت منتجعات أوريكا بإقليم الحوز وتسببت في خسائر مادية بالمرافق والمسالك السياحية.
بين الرواية الإدارية وتحديات الاستدامة
تشير الروايات الرسمية وتقارير التدخل الميداني إلى أن المصالح المعنية تسارع فور وقوع الانجرافات إلى تعبئة الآليات وإصلاح المقاطع المتضررة لاستعادة حركة السير في أوقات قياسية. ورغم أهمية هذه التدخلات الاستعجالية، إلا أن الواقع الميداني يظهر أنها تظل حلولاً ترقيعية ذات طابع إسعافي، تفتقر إلى مقاربة شمولية تضمن استدامة المنشآت الطرقية وقدرتها على الصمود أمام التغيرات المناخية الموسمية.
‘تيويزي’: تضامن محلي يسد الفراغ التنموي
في مقابل محدودية التدخلات التقنية المستدامة، برزت من جديد قيم التعاون الجماعي ‘تيويزي’؛ حيث هب أبناء المناطق المتضررة، كما جرى في تارودانت وطاطا، مستعينين بجرافات تطوعية وسواعدهم العارية لإزالة الأوحال والأحجار، في محاولة لاستعادة الحد الأدنى من حقهم في التنقل والوصول إلى الخدمات الأساسية.
مفارقة التنمية: متى تنتهي عزلة العالم القروي؟
تضع هذه الخسائر المتكررة برامج تقليص الفوارق المجالية أمام مساءلة حقيقية حول جودة الدراسات التقنية المعتمدة في إنجاز المسالك القروية، ومدى مراعاتها للتضاريس الوعرة والمجاري المائية. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ستظل مداشر المغرب العميق رهينة لحلول ظرفية كلما هطلت أمطار الصيف، أم أن الأوان قد حان لبنية تحتية تصون كرامة القرويين وتضمن سلامتهم على مدار العام؟



















