سبتة تحت الأضواء العالمية: حين تحوّل البحر إلى محكمة للتنمية والحدود

حسيمة سيتيمنذ ساعتينآخر تحديث :
سبتة تحت الأضواء العالمية: حين تحوّل البحر إلى محكمة للتنمية والحدود
بقلم: رشيد التازي

لم تعد سبتة، المدينة الخاضعة للإدارة الإسبانية والتي يطالب المغرب باستعادتها، مجرد نقطة حدودية مشتعلة بين ضفتين؛ لقد تحولت خلال الساعات الأخيرة إلى عنوان دولي لأكبر صدمة هجرة تشهدها المنطقة منذ سنوات. عشرات الآلاف عبروا برًا وبحرًا في فترة قصيرة، وبينهم شباب وقاصرون، فيما انتشلت السلطات جثثًا من المياه ووجدت المدينة نفسها عاجزة أمام تدفق يفوق قدرتها على الإيواء والاستجابة.

لكن وسط عناوين “الاجتياح” و”الاختراق” و”انهيار الحدود”، تضيع الحقيقة الأكثر إزعاجًا: هؤلاء ليسوا قوة غازية، بل بشر دفعهم اليأس أو التضليل أو الهشاشة إلى معبر شديد الخطورة. وما حدث لا يضع سبتة وحدها في مأزق؛ إنه يضع المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي أمام سؤال ثقيل: كيف صار البحر، بالنسبة إلى آلاف الشباب، أهون من انتظار المستقبل في البر؟

أرقام صادمة وروايات متحركة

قدّرت وزارة الداخلية الإسبانية عدد من وصلوا إلى سبتة خلال نحو 24 ساعة بحوالي 49 ألف شخص، فيما تحدث رئيس حكومة المدينة عن قرابة 60 ألفًا. وأشارت معطيات رسمية وإعلامية إلى أن نحو نصف الوافدين عادوا إلى المغرب، طوعًا أو ضمن إجراءات العودة، بينما بلغ عدد الجثث التي عُثر عليها في البحر 19 على الأقل وفق حصيلة أولية، مع اختلاف الأرقام بين المصادر وتغيّرها تبعًا لتطور عمليات الإنقاذ والتعرف على الضحايا.

هذا التباين لا يبرر التشكيك في حجم الكارثة، بل يفرض الحذر. ففي ساعات الأزمات، تتحول الأرقام إلى جزء من المعركة السياسية والإعلامية: طرف يضخم لإثبات “الانهيار”، وآخر يقلل لتخفيف الإحراج، وبينهما أسر تبحث عن مفقودين وأطفال لا يعرفون ماذا ينتظرهم بعد الضفة الأخرى.

من “أزمة محلية” إلى اختبار لشنغن

الحدث تجاوز بسرعة الحدود المغربية الإسبانية. الصحافة الدولية ربطته بأمن الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي وبمستقبل حرية التنقل داخل فضاء شنغن، فيما حشدت مدريد قوات إضافية لتعزيز الحرس المدني، وطلبت سلطات سبتة تدخلاً استثنائيًا لمواجهة ما وصفته بأزمة استيعاب غير مسبوقة.

لكن تحويل المأساة إلى ملف أمني صرف هو نصف الحقيقة فقط. فحين يصير كل مهاجر “تهديدًا”، يصبح الحديث عن الجثث والعائلات والقاصرين تفصيلًا جانبيًا. إنّ من حق إسبانيا والاتحاد الأوروبي حماية حدودهما، لكن لا يحق لأي خطاب سياسي أن يلغي إنسانية من وصلوا إليها أو أن يستخدم لغة “الغزو” لتبرير التعامل معهم ككتلة خطرة بلا وجوه ولا أسماء.

حكم قضائي وإشاعة قاتلة

تربط تقارير دولية موجة العبور بانتشار واسع لمعلومات مضللة على مواقع التواصل، مفادها أن من يصل إلى سبتة بحرًا لن يمكن إرجاعه بسبب حكم قضائي إسباني حدّ من الإعادات الفورية في حالات معينة. ووفق الرواية التي نقلتها مصادر إسبانية، استغلت شبكات تهريب هذا الالتباس القانوني لإقناع الشباب بأن السباحة إلى المدينة تضمن لهم البقاء.

هذه الرواية، إن ثبتت في التحقيقات، تكشف خطورة الفراغ المعلوماتي. فإشاعة واحدة قد تتحول إلى تذكرة موت حين تصدقها أعداد كبيرة من القاصرين واليائسين. لذلك لا يكفي أن تتبادل الرباط ومدريد الإجراءات بعد وقوع العبور؛ المطلوب تحرك وقائي واضح، ومعلومات دقيقة تصل إلى الأسر، وملاحقة فعلية لمن يبيعون الوهم عبر الشاشات والرسائل المغلقة.

المغرب في مرآة محرجة

المفارقة الموجعة أن هذه الموجة جاءت في وقت يقدّم فيه المغرب نفسه كقوة إقليمية صاعدة، تستثمر في البنية التحتية والرياضة والدبلوماسية والصورة الدولية. لا أحد ينكر قيمة النجاح الرياضي أو أثره المعنوي، لكن الإنجاز في الملاعب لا يجيب عن سؤال الطفل الذي يرى في البحر طريقًا أقصر من المدرسة، ولا عن سؤال الشاب الذي يعتقد أن حياته تبدأ فقط بعد اجتياز سياج أو موجة.

المسؤولية الأولى للدولة ليست إثبات تفوقها في مباراة، بل ضمان ألا يضطر مواطنوها، خصوصًا القاصرون، إلى المخاطرة بحياتهم بحثًا عن الحد الأدنى من الأفق. التنمية لا تُقاس فقط بالمطارات والملاعب والمشاريع الكبرى؛ تُقاس كذلك بقدرة المجتمع على إقناع أبنائه بأن لديهم مكانًا آمنًا وفرصة حقيقية داخله.

لا دليل معلن على “فتح متعمد”

تداولت بعض التحليلات الأوروبية فرضية أن تدفق العبور قد يكون رسالة ضغط مرتبطة بعلاقات الرباط ومدريد أو بتقارب إسبانيا مع الجزائر. لكن هذه الفرضية لم تُثبت بدليل رسمي علني، ولا يصح تحويلها إلى حقيقة قطعية. بل إن تقارير رويترز نقلت عن السلطات الإسبانية تعزيزًا لاحقًا للتنسيق مع المغرب للحد من التدفق، فيما أكدت مصادر إسبانية أن دوافع العبور تشمل أيضًا الإشاعات والهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.

ومع ذلك، فإن غياب الدليل على قرار سياسي متعمد لا يعفي الدولة المغربية من سؤال الحماية. لماذا لم تصل الوقاية إلى هؤلاء قبل الماء؟ أين كانت شبكات حماية الطفولة؟ أين الإنذار المبكر حين بدأت الدعوات تنتشر؟ وأين البدائل الواقعية للشباب الذين يرون أوروبا، بكل مخاطرها، أرحم من الانتظار في مدنهم وقراهم؟

اتفاق الإعادة: حلّ إداري لمأساة أعمق

توصل المغرب وإسبانيا إلى تفاهم لتشديد التنسيق وتسريع عودة من دخلوا سبتة بصورة غير نظامية. هذا الإجراء قد يخفف ضغطًا إنسانيًا وأمنيًا فوريًا على المدينة، لكنه لا يعالج أصل الأزمة.

فالإعادة ليست سياسة حماية في حد ذاتها، خصوصًا للقاصرين. يمكن أن تعيد الطفل إلى نقطة البداية، لكن ماذا بعد؟ هل يعود إلى أسرته في أمان؟ هل يتلقى دعمًا نفسيًا بعد تجربة البحر؟ هل سيعود إلى المدرسة أو التكوين؟ وهل يُفتح تحقيق في الشبكات التي دفعته إلى المخاطرة؟ من دون هذه الإجابات، يتحول الترحيل إلى دورة مغلقة: محاولة، فإعادة، فمحاولة أخرى ربما تكون الأخيرة.

المعركة الحقيقية

الأزمة كشفت هشاشة أوروبا أمام حدودها الجنوبية، وكشفت في الوقت نفسه جرحًا اجتماعيًا مغربيًا لا يُعالج بالإنكار. إسبانيا تحتاج تعاون المغرب لضبط حدودها، والمغرب يحتاج شراكة أوروبية أكثر عدلًا من مجرد تحويله إلى شرطي للهجرة. لكن الطرفين يظلان مدينين بأمر أبسط وأعمق: حماية الأرواح قبل إدارة الصور السياسية.

لا ينبغي أن يُسأل فقط كيف وصل عشرات الآلاف إلى سبتة، بل لماذا غادروا أصلًا؟
فحين يصبح البحر مشروعًا جماعيًا للأطفال والشباب، فإن المشكلة لم تعد عند السياج وحده؛ إنها تبدأ قبل ذلك بكثير، في الفقر والإقصاء وانسداد الأفق وغياب الثقة في أن الغد يمكن أن يكون أفضل هنا.

المصدر صحافة دولية / متابعات
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق