في مشهد يختزل أعطاب الممارسة السياسية بالمغرب، حيث تتحول ‘التزكية’ الانتخابية إلى صك غفران للمطيعين ومقصلة للمزعجين، أعلن النائب البرلماني عبد الرحيم بوعيدة طلاقه البائن مع حزب الاستقلال. استقالة لم تأتِ في سياق ترف سياسي، بل جاءت كاشفة لكواليس تدبير الترشيحات داخل الأحزاب التقليدية وتغول منطق الريع على حساب الكفاءة.
كواليس التوافقات الحزبية وتفضيل المتابع قضائيا
عبر تقنية البث المباشر على منصة فايسبوك، اختار بوعيدة أن يضع النقط على الحروف، متسائلا بمرارة عن المعيار الأخلاقي والسياسي الذي استندت إليه قيادة ‘الميزان’ لإبعاده عن دائرته الانتخابية. المفارقة الصارخة التي فجرها بوعيدة لا تكمن في الإبعاد بحد ذاته، بل في طبيعة البديل؛ إذ تم منح التزكية لشخص كان خلال الولاية السابقة موضوع متابعة قضائية. وهو ما يطرح سؤالا جوهريا حول المعايير الحقيقية للاستقطاب الحزبي، وكيف يتفوق منطق ‘الشكارة’ والولاء الأعمى على النزاهة والعمل الميداني.
ضريبة الانضباط أم مقصلة الأغلبية؟
لم يخفِ البرلماني عن دائرة كلميم احترامه لمناضلي الحزب، لكنه وضع الإصبع على الجرح النازف للعمل البرلماني اليوم. يبدو أن ذنب بوعيدة الأكبر لم يكن سوى ممارسة دوره الدستوري في الرقابة. ففي عرف التحالفات الحكومية الحالية، يُنظر إلى أي انتقاد للسياسات العمومية من داخل الأغلبية كخروج عن طاعة ‘ميثاق الأغلبية’، وليس دفاعا عن مصالح الناخبين. بوعيدة صرحها بوضوح: إذا كان ثمن البقاء هو الصمت والتحول إلى كائن انتخابي يلهث وراء المناصب، فإنه يقبل بصدر رحب أن يكون شخصا غير مرغوب فيه.
السياسة بين القناعات وحسابات الانتخابات
برفضه أن يكون انتهازيا يحول السياسة إلى مجرد أداة لاقتناص المناصب، يقدم بوعيدة درسا في التشبث بالقناعات في زمن الترحال السياسي. ‘السياسي الذي يصمت للحفاظ على التزكية يظل دون مواقف’، هكذا لخص الرجل فلسفته، مؤكدا أن خسارة مقعد برلماني أهون بكثير من خسارة الذات والمبادئ والكرامة أمام ناخبيه.
الوجهة المقبلة.. نهاية فصل وبداية آخر
استقالة بوعيدة لا تعني اعتزاله الشأن العام، بل هي، كما وصفها، تمهيد لمرحلة جديدة. لتبقى الأسئلة الحارقة معلقة في سماء المشهد السياسي الملبد بالغيوم: إذا كانت الأحزاب تفضل المتابع قضائيا على النائب المزعج بحقائقه، فكيف يمكن إقناع المواطن بجدوى العملية الانتخابية أساسا؟ وأي رسالة توجهها الأغلبية الحكومية للشارع حين تجعل من ‘التزكية’ سلاحا لتكميم أفواه نوابها وحماية مصالحها الضيقة على حساب التنمية الشاملة؟



















