الوليد ميمون…طائر الفينيق الذي احيى الهوية الريفية من رماد النسيان

الوليد ميمون.. صوت الهوية الريفية ومسار فني من الهامش إلى الذاكرة الجماعية

حسيمة سيتيمنذ 4 دقائقآخر تحديث :
الوليد ميمون…طائر الفينيق الذي احيى الهوية الريفية من رماد النسيان
بقلم: عبد السلام العمراني

الوليد ميمون.. تجربة استثنائية أعادت صياغة الوعي الجمعي

يحتل الفنان والشاعر ميمون الوليد مكانة متفردة في سجل الأغنية الأمازيغية الريفية؛ إذ لم ينحصر حضوره في إطار الأداء الموسيقي التقليدي، بل ارتقى به ليكون صوتاً يعكس الأبعاد الاجتماعية والإنسانية لأبناء الريف. فمنذ بواكير تجربته الفنية، جعل من قضايا الكادحين والعمال والفلاحين والطلبة والمهمشين بوصلته الأساسية، مما حوّل نتاجه الفني بمرور العقود إلى ركيزة متجذرة في الذاكرة الثقافية الجماعية لجيل بأكمله.

النشأة والتكوين الفكري.. من آيث سيدال إلى الحراك الطلابي بفاس

رأى ميمون الوليد النور سنة 1959 في بلدة آيث سيدال بالناظور، ضمن بيئة قروية بسيطة ارتبطت بالأرض وشظف العيش الفلاحي. وخلال دراسته بثانوية عبد الكريم الخطابي بالناظور، بدأت براعمه الشعرية في التفتح باللسان الأمازيغي الريفي، لتكتسب تجربته أبعاداً أكثر نضجاً إبان التحاقه بجامعة ظهر المهراز بمدينة فاس.

شهدت الساحة الجامعية في مطلع الثمانينيات غلياناً فكرياً وثقافياً وسياسياً واسعاً، ترك بصمته الواضحة على البناء المعرفي للوليد. وعلى الرغم من قربه من التيارات التقدمية والنقاشات المجتمعية التي خاضتها الحركة الطلابية، فإنه حرص بوعي على النأي بفنه عن التوظيف الحزبي المباشر، ليحافظ خطابه الإبداعي على بعده الإنساني والشعري العام المنحاز للعدالة الاجتماعية والكرامة.

الأغنية كرافعة للهوية وأداة لطرح الأسئلة الكبرى

تكمن فرادة تجربة الوليد ميمون في قدرته على نقل اللغة الأمازيغية الريفية من حيز التداول اليومي البسيط إلى مستوى التعبير الفكري والاحتجاجي القادر على حمل الأسئلة الوجودية والهموم العامة. فلم يتعامل مع الريف باعتباره قالباً فلكلورياً للعرض والفرجة، وإنما ككيان مجتمعي نابض بالحياة، مثقل بالجراح والتناقضات والذاكرة التاريخية.

روائع فنية حفرت في الوجدان

شكلت أعمال خالدة مثل «أجاج» و«أمتلوع» و«ثايوث» و«أدهار أوباران» و«أدوارد أمينو» علامات فارقة في تاريخ الموسيقى الأمازيغية. ورغم تعاقب الأجيال وتبدل الأنماط الموسيقية، ظلت هذه الأغاني حية لأنها تجاوزت كونها مقطوعات تطريبية، لتغدو شاهداً وثائقياً على حقبة زمنية وتجربة إنسانية حية صاغت ملامح الأغنية الريفية الملتزمة.

ضريبة الالتزام وسنوات التضييق والتهميش

دفع الوليد ميمون ثمناً باهظاً لمواقفه الفنية الملتزمة؛ إذ انتمى إلى جيل شق مساره في زمن كانت فيه الثقافة الأمازيغية تفتقر للاعتراف المؤسساتي. وتجرع الفنان مرارة المنع والتضييق، وخضع للاستنطاقات، فضلاً عن الطرد من الجامعة والمنع من السفر، مما جعل من تجربته سيرة صمود فني حقيقي في مواجهة النسيان والتهميش.

تكريم «ثويزا».. من الاحتفاء بالفنان إلى واجب المصالحة مع الذاكرة

جاء تكريم الوليد ميمون في منصة مهرجان «ثويزا» بطنجة ضمن فعاليات دورته العشرين، تقديراً لعطائه الثر وإسهاماته في خدمة الأغنية الأمازيغية وقضايا الأرض والهوية. ويفتح هذا الحدث الباب أمام تساؤل جوهري حول ما إذا كان الاحتفاء مجرد التفاتة متأخرة، أم يشكل خطوة في مسار مصالحة رمزية أوسع مع الذاكرة الثقافية للريف.

متطلبات صون التراث الثقافي الريفي

إن إعادة الاعتبار الحقيقي لتجربة رواد الهامش لا تكتمل بالمهرجانات الظرفية وحدها، بل تستوجب نقل هذه الرموز من ذاكرة الجمهور إلى عمق الذاكرة الثقافية والمؤسساتية الرسمية. ويقتضي ذلك إدراج نتاجهم في الدراسات الأكاديمية، ورقمنة أرشيفهم الصوتي والبصري، وحماية تراث مرحلة مفصلية شكّلت الوعي الحديث لمنطقة الريف بوسائل ذاتية متواضعة.

المصدر عبد السلام العمراني / حسيمة سيتي
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق