خرافة “سُم زيت الزيتون” على النار: العلم يفكك أكبر أكذوبة غذائية متوارثة

حسيمة سيتيمنذ 10 دقائقآخر تحديث :
خرافة “سُم زيت الزيتون” على النار: العلم يفكك أكبر أكذوبة غذائية متوارثة
بقلم: رشيد التازي

لعقود، تناقل الناس عبارة صارت شبه قانون مطبخي: “لا تطبخوا بزيت الزيتون لأنه يتحول إلى سم عند التسخين”. هذه الجملة، التي انتشرت في المطابخ والمجموعات الصحية أكثر من انتشارها في أي مخبر علمي، حان وقت دفنها نهائيًا. فالحقائق المخبرية الحديثة تكشف عكس ما توارثته الأجيال تمامًا: زيت الزيتون البكر الممتاز ليس فقط آمنًا للطبخ، بل هو من أكثر الزيوت السائلة استقرارًا وصمودًا أمام الحرارة على الإطلاق .

من أين جاءت الخرافة أصلًا؟

جذر الخلط بسيط: الناس ربطوا “الأمان تحت الحرارة” بمقياس واحد هو نقطة التدخين، أي الدرجة التي يبدأ عندها الزيت بإصدار دخان مرئي . زيت الزيتون البكر الممتاز تتراوح نقطة تدخينه بين 190 و215 درجة، وهي أقل من زيوت البذور المكررة كعباد الشمس التي قد تتجاوز 230 درجة. فاستنتج كثيرون، خطأً، أن نقطة تدخين أقل تعني زيتًا “أضعف” وأكثر عرضة للتسمم الكيميائي بالحرارة.

لكن العلم يقول شيئًا مختلفًا تمامًا: نقطة التدخين مقياس بصري سطحي، لا مقياس سلامة كيميائية . المقياس الحقيقي هو مدى تفكك الزيت كيميائيًا تحت الحرارة المطولة، أي كمية “المركبات القطبية” والألدهيدات الضارة التي تتشكل فعليًا داخل الزيت .

التجربة التي قلبت الطاولة

في دراسة نُشرت في مجلة Acta Scientific، خضع زيت الزيتون البكر الممتاز وزيوت تجارية أخرى شائعة لتسخين قاسٍ بلغ 240 درجة مئوية، ثم تعرضت لحرارة مستمرة عند 180 درجة لمدة ست ساعات متواصلة، وهي ظروف أشد قسوة من أي طبخ منزلي عادي . النتيجة كانت حاسمة: زيت الزيتون أنتج أقل كمية من المركبات القطبية الضارة بين كل الزيوت المفحوصة، متفوقًا بوضوح على زيت الكانولا وزيت الأفوكادو المكرر وزيوت بذور أخرى .

لماذا يصمد زيت الزيتون بهذا الشكل؟

السر يكمن في التركيب الكيميائي نفسه، لا في الأرقام التجارية على العبوة:

  • بنية دهنية مستقرة: يتكون زيت الزيتون من نسبة تتراوح بين 70 و80% من حمض الأوليك، دهن أحادي عدم التشبع يحتوي رابطة كيميائية مزدوجة واحدة فقط، وهذا يجعله صعب الانكسار تحت الحرارة . في المقابل، تحتوي زيوت عباد الشمس والذرة على دهون متعددة عدم التشبع بروابط مزدوجة هشة، تتفكك وتتأكسد بسرعة أكبر بكثير عند التسخين .
  • درع طبيعي من مضادات الأكسدة: يحمل زيت الزيتون البكر مركبات البوليفينول والتوكوفيرول (فيتامين E) والسكوالين، وهي جزيئات تضحي بنفسها لاعتراض الجذور الحرة الضارة قبل أن تهاجم بنية الزيت .

المقارنة الثلاثية: زيت الزيتون، السمن، عباد الشمس

المعيارزيت الزيتون البكر الممتازالسمن (Ghee)زيت عباد الشمس
نقطة التدخين190–215°م230–250°م ampath+1220–230°م littoralicious+1
التركيب الدهني الغالبأحادي عدم التشبع (~73%)مشبع (~62%)متعدد عدم التشبع (~65%)
الاستقرار تحت الحرارة المطولةممتاز جدًا، أقل مركبات قطبية ضارةممتاز، لا روابط مزدوجة تتأكسد بسهولةضعيف، يتحلل ويتأكسد بسرعة عند التكرار
المحتوى المضاد للأكسدةبوليفينولات، فيتامين E، أوليوكانثالفيتامين A و K2، وحمض البوتيريكفيتامين E فقط، وأوميغا 6 مرتفعة جدًا
الأنسب للاستخدامطبخ يومي، قلي خفيف، تتبيل نيءقلي عالي الحرارة وتحمير وطبخ تقليدييفضَّل تجنب إعادة استخدامه أو تسخينه المطول

قراءة الجدول: من الرابح الحقيقي؟

النتيجة الأهم من هذه المقارنة أن نقطة التدخين المرتفعة لا تعني بالضرورة زيتًا أكثر أمانًا. زيت عباد الشمس يملك نقطة تدخين مقاربة للسمن، لكنه أقل استقرارًا بكثير بسبب غناه بالدهون متعددة عدم التشبع الهشة أمام الحرارة والتكرار. هذا يفسر سبب تحذير بعض الدراسات من إعادة استخدام أو تسخين زيوت البذور مرارًا، وهي عادة شائعة في المطابخ المنزلية والمطاعم على حد سواء.

السمن، من جهته، يبرز كخيار جيد جدًا للطبخ بحرارة عالية جدًا مثل التحمير العميق والقلي السريع، بفضل تركيبه المشبع الخالي من الروابط المزدوجة الهشة، إضافة إلى محتواه من فيتامين A وK2. لكنه يبقى غنيًا بالدهون المشبعة، ما يجعل الإكثار منه محتاجًا إلى توازن غذائي عام، خصوصًا لمن يراقبون مستويات الكوليسترول.

أما زيت الزيتون، فيقدم أفضل توليفة بين استقرار جيد تحت الحرارة اليومية المعتادة (طبخ، تحمير خفيف، سلق، خبز) وقيمة غذائية عالية بفضل مضادات الأكسدة النادر توفرها في أي زيت آخر. وهذا يجعله الخيار الأكثر توازنًا للاستخدام اليومي المتكرر، من دون الحاجة للقلق من “التسمم” الذي طالما خُوّف منه الناس بلا أساس علمي .

الخلاصة: لا سُم، بل سوء فهم

زيت الزيتون لا يتحول إلى سم عند التسخين، بل يظل، وفق الأدلة العلمية المتراكمة من مختبرات مستقلة حول العالم، أحد أكثر الزيوت أمانًا وثباتًا كيميائيًا تحت النار. الخرافة التي طاردت زيت الزيتون لسنوات لم تكن سوى سوء فهم لمفهوم نقطة التدخين، بينما الحقيقة العلمية تقول بوضوح: زيت الزيتون يستحق مكانه على النار، لا خارجها.

المصدر حسيمة سيتي / دراسات كيميائية وتغذوية
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق