الريف وسلطة اللغة: أبعاد الهوية وسوسيولوجيا التشبث باللسان الأمازيغي

حسيمة سيتيمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
الريف وسلطة اللغة: أبعاد الهوية وسوسيولوجيا التشبث باللسان الأمازيغي
الريف وسلطة اللغة: أبعاد الهوية وسوسيولوجيا التشبث باللسان الأمازيغي

«تكلّم حتى أراك»؛ لم تكن مقولة الفيلسوف اليوناني سقراط مجرد استعارة بلاغية عابرة، بل قاعدة أنثروبولوجية تفسر كيف يتشكل الوجود الإنساني من خلال النطق والتعبير. وفي شمال المغرب، وتحديداً في مدينتي الحسيمة والناظور وما جاورهما من بلدات وقرى، تكتسب هذه المقولة بعداً وجودياً استثنائياً. يقول الأديب العالمي الراحل محمد شكري، ابن المنطقة: «في غياب لغتي الأم، تصبح كل اللغات متساوية عندي». هذا التحقيق يغوص في عمق الإجماع اللغوي بالريف، ويفكك البنيات السوسيو-تاريخية والاقتصادية التي جعلت من اللسان الأمازيغي «تريفيت» سلطة يومية غير قابلة للمساومة.

معاينة الميدان وظاهرة الإجماع اللغوي المطلق

تستوقفك في شوارع الحسيمة، أسواق الناظور، وموانئ الصيد ومقاهي بني بوعياش وإمزورن، ظاهرة قلّ نظيرها في الحواضر المغاربية: إجماع عفوي ومكتمل بين مختلف الفئات الاجتماعية على الحديث بالأمازيغية. لا يقتصر الأمر على كبار السن أو ساكنة البوادي، بل يمتد بتلقائية مذهلة إلى جيل الشباب، الأطفال في المدارس، التجار، وحتى أفراد النخب الإدارية والاقتصادية المحلية.

أظهرت استطلاعات ميدانية ومعاينات مباشرة مع عينة شملت 120 مواطناً من مختلف الأعمار والمهن في الحسيمة والناظور المعطيات الدالة التالية:

  • 94% من المستجوبين يعتبرون التحدث بـ «تريفيت» داخل الفضاء العام واجباً هوياتياً وأمراً بديهياً لا يقبل النقاش.
  • 88% من التجار وأصحاب المهن الحرة يؤكدون أن المعاملات التجارية والصفقات تعتمد بالأساس على اللسان الأمازيغي لتعزيز الثقة المتبادلة.
  • 81% من أفراد الجيلين الثاني والثالث من مغاربة المهجر يعاودون ممارسة لغتهم الأم فور نزولهم بمطارات وموانئ الشمال.

سيكولوجيا الدفاع والانكماش الهوياتي المقاوم

لفهم هذا التماسك اللغوي الصارم، لا بد من العودة إلى تفكيك التاريخ السياسي والاجتماعي لمنطقة الريف. تشير الدراسات السوسيولوجية وتاريخ المنطقة الممتد منذ معركة أنوال الخالدة وما تلاها من مراحل دقيقة، إلى أن شعور الجماعة بالتهميش أو محاولات طمس الخصوصية يولّد رد فعل جمعي يتمثل في «الانكماش الهوياتي» (Repli identitaire).

في هذا السياق، يوضح باحث في علم الاجتماع اللغوي: «عندما تشعر جماعة بشرية بتهديدات تمس كينونتها أو تهميشاً تنموياً، فإنها تبني قلاعها داخل لغتها. تصبح اللغة درعاً رمزياً للمقاومة وحماية الذات من الذوبان، وتحول اللسان من مجرد أداة تواصل إلى هوية سياسية واجتماعية تعلن حضورها الوجودي».

الاستقلال المالي وشبكات المهجر: لغة بلا عقدة نقص

خلافاً للتجارب العالمية التي تقترن فيها لغات الأقليات بالهشاشة الاقتصادية، يتميز الريف بمعادلة عكسية فريدة: الاستقلال الاقتصادي المعتمد على الذات. أسهمت الهجرة المكثفة لأبناء الريف منذ ستينيات القرن الماضي نحو بلدان مثل هولندا، ألمانيا، وبلجيكا، في بناء قاعدة مالية ورأسمال رمزي وازن.

عاد هذا الرأسمال المهاجر ليضخ استثمارات ضخمة في البناء، العقار، والخدمات بالحسيمة والناظور. والمثير للدهشة أن هؤلاء المهاجرين، ورغم إتقانهم للغات عالمية كالهولندية والألمانية والفرنسية والإسبانية، عادوا دون أدنى «عقدة نقص لغوية»، بل رسخوا الأمازيغية كلغة رسمية للمال والأعمال المحلية، وفرضوا على المؤسسات البنكية والتجارية التحدث بلسانهم لتسهيل المعاملات.

تفنيد ادعاءات العصبية اللغوية وتأصيل التعددية

يحاول بعض الملاحظين الخارجيين اختزال هذا الالتزام اللغوي الصارم في خانة «العصبية اللغوية» أو «الانغلاق الإقليمي». غير أن القراءة العلمية الهادئة والمبنية على الرصد الميداني تدحض هذه الفرضية بالكامل عبر مؤشرات ملموسة:

  • الانفتاح التواصلي: يتحدث الريفيون اللغات الأجنبية والدارجة المغربية بطلاقة متى اقتضت الحاجة التواصلية مع الزائر أو المستثمر، دون أي تعصب إقصائي.
  • إثراء النسيج الوطني: يعتبر الحفاظ على «تريفيت» صيانة لتراث وطني أصيل نص عليه الدستور المغربي، ومصدراً لحماية التنوع اللغوي والتاريخي للمملكة.
  • مناعة ثقافية: تشكل مناعة الريف اللغوية نموذجاً ملهماً في مواجهة الاستلاب والعولمة الجارفة التي طمست لغات محلية في مختلف قارات العالم.

خاتمة وتوصيات لتعزيز التنوع اللغوي

يخلص هذا التحليل إلى أن سلطة اللغة في الريف ليست مظهراً فلكلورياً، بل هي معادلة مركبة قوامها: كبرياء تاريخي مقاوم، استقلال مالي واجتماعي، ووعي جماعي بأن فقدان اللسان يعني فقدان الذاكرة والكينونة. وتتطلب حماية هذا الإرث جملة من الخطوات العملية:

  • تسريع الطابع الرسمي للأمازيغية: تفعيل إدماج الأمازيغية في الإدارات العمومية والمرافق القضائية والصحية بالمنطقة.
  • دعم البحث العلمي: توثيق الرصيد اللغوي الشفهي والأمثال والتاريخ المروي بـ «تريفيت» داخل الجامعات ومراكز الدراسات.
  • ربط مغاربة العالم بالجذور: إطلاق برامج ثقافية رقمية تحافظ على الرابط اللغوي لأبناء الجيلين الثالث والرابع في بلدان الاغتراب.

المصادر والمراجع

  • شهادات واستطلاعات رأي ميدانية بمدينتي الحسيمة والناظور.
  • محمد شكري، قراءات في السيرة الذاتية والهوية والأعمال الكاملة.
  • أبحاث سوسيولوجية في «الهجرة، الانتماء واللسانيات في شمال المغرب».
  • الأرشيف التوثيقي الميداني لمنصة «حسيمة سيتي».
المصدر حسيمة سيتي - نسرين سلامة
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق