بمناسبة عيد الشباب لسنة 1448 هجرية/2026 ميلادية، أصدر الملك محمد السادس عفوه السامي عن 667 شخصًا بين معتقل وموجود في حالة سراح، في خطوة إنسانية جديدة تضاف إلى سجل العفو الملكي بالمغرب. لكن هذا العفو، كما سبقه من قرارات مماثلة، جاء ليؤكد استمرار استثناء معتقلي حراك الريف، وعلى رأسهم ناصر الزفزافي ورفاقه، من أي التفاتة تُنهي معاناتهم داخل السجون.
تفاصيل العفو الأخير
وفق بلاغ وزارة العدل، استفاد من العفو الملكي بمناسبة عيد الشباب 526 نزيلًا في حالة اعتقال، توزعوا بين العفو الكامل مما تبقى من العقوبة لفائدة 7 نزلاء، والتخفيض من العقوبة لفائدة 517 نزيلًا، وتحويل السجن المؤبد إلى سجن محدد لفائدة نزيلين. كما شمل العفو 141 شخصًا في حالة سراح، عبر إجراءات تنوعت بين إسقاط العقوبة الحبسية أو الغرامة المالية أو كليهما معًا.
هذا العفو، الذي جاء في سياق احتفالي مرتبط بذكرى دينية وطنية، يعيد إلى الواجهة تقليدًا ملكيًا معروفًا يقوم على منح فرص ثانية لفئات واسعة من المحكومين، بمن فيهم من استوفوا شروطًا معينة من حسن السيرة أو الوضع الصحي أو الاجتماعي.
استمرار غياب اسم الريف
لكن اللافت، مرة أخرى، هو أن اللوائح الرسمية لم تتضمن أي اسم من الأسماء المرتبطة بحراك الريف، وعلى رأسهم ناصر الزفزافي، إلى جانب رفاقه المعتقلين منذ ربيع 2017 بعقوبات وصلت في بعض الحالات إلى عشرين سنة سجنًا نافذًا.
هذا التكرار في الاستثناء لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق سابق مشابه؛ فقد سبق لعفو ملكي آخر، صدر بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، أن شمل 935 شخصًا، بينهم 807 نزلاء في حالة اعتقال و128 في حالة سراح، من دون أن يشمل أيضًا معتقلي حراك الريف. بمعنى أن هذا الملف لم يُستثنَ لمرة واحدة عابرة، بل بات يتكرر مع كل مناسبة عفو، إلى درجة يبدو معها الاستثناء وكأنه قاعدة ثابتة لا استثناء عارضًا.
عائلات معلقة بين الأمل والانتظار
مع كل مناسبة وطنية أو دينية يُعلن فيها عن عفو ملكي، تتجدد عند عائلات معتقلي الريف نفس اللحظة النفسية المركبة: أمل يتيقظ، وانتظار يتجدد، وخيبة قد تتكرر. فالحديث هنا لا يتعلق بأرقام إدارية فقط، بل بأمهات تقدمن في السن، وأبناء كبروا وهم يعدّون سنوات غياب آبائهم، وأسر تعيش ضغطًا نفسيًا واجتماعيًا مستمرًا.
هذا الوضع يجعل من كل عفو جديد لحظة اختبار مضاعفة: اختبارًا للأمل في أن يُطوى الملف، واختبارًا آخر أكثر قسوة حين يتأكد أن الاستثناء لا يزال قائمًا.
سؤال يتكرر بلا جواب
يبقى السؤال حاضرًا بقوة: ما الذي يحول، سنة بعد أخرى، عملية العفو الملكي، الذي شمل مئات المحكومين في قضايا مختلفة، دون أن يشمل ملفًا يحظى باهتمام حقوقي وسياسي وشعبي واسع، سواء داخل المغرب أو خارجه؟
فبينما تبرر بعض القراءات الرسمية هذا الاستثناء بخصوصية الملف القضائي والسياقات الأمنية المرتبطة به، يرى مراقبون ومنظمات حقوقية أن استمرار سنوات الاعتقال، رغم توالي دعوات المصالحة والانفتاح، يُضعف فرص بناء الثقة بين الدولة وسكان منطقة عانت أصلًا من تراكمات تنموية واجتماعية طويلة.
ملف مفتوح في وجه كل الأعياد
لا يختلف اثنان على أن العفو الملكي أداة دستورية وإنسانية مهمة، وأن استفادة مئات الأشخاص منه في كل مناسبة تحمل قيمة اجتماعية حقيقية. لكن يبقى السؤال الأخلاقي والسياسي مطروحًا بقوة: إلى متى سيستمر استثناء معتقلي حراك الريف من هذه اللحظات، وكأن قوس هذا الملف مفتوح على أمد غير معلوم؟
فكل عيد يمر دون طيّ هذه الصفحة، يُبقي الجرح مفتوحًا، ويُبقي السؤال معلقًا في انتظار جواب سياسي وإنساني حاسم: متى يأتي العفو الذي يشمل الجميع، بلا استثناء ولا تأجيل؟



















