الفيتو الروسي في ملف الصحراء: مواجهة مع واشنطن أم رسالة إلى الرباط؟

الفيتو الروسي في ملف الصحراء: مواجهة مع واشنطن أم رسالة إلى الرباط؟
حسيمة سيتيمنذ 5 ساعاتآخر تحديث : منذ 5 ساعات
بقلم: رشيد البراني

موسكو أسقطت المشروع الأمريكي، لكن ربط قرارها حصرا بمواقف المغرب من أوكرانيا وكوبا يتجاوز الأدلة المتاحة

الحسيمة – حسيمة سيتي

استخدمت روسيا، يوم 30 أكتوبر 2026، حق النقض ضد مشروع قرار أمريكي بشأن الصحراء، كان يسعى إلى تكريس مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا وحيدا للتفاوض وإدخال تغييرات على البعثة الأممية. الواقعة ثابتة، وأكدها أيضا بيان رسمي بريطاني أعرب عن خيبة أمل لندن إزاء الفيتو الروسي. لكن تفسيرها باعتبارها انتقاما مباشرا من المغرب بسبب أوكرانيا أو التصويت بشأن كوبا يحتاج إلى أدلة لا يوفرها مجرد تتابع الأحداث.

السؤال ليس لماذا «لم تجامل» موسكو الرباط، بل لماذا انتقلت إلى تعطيل مشروع أمريكي في هذا الملف، وما الذي تكشفه المواجهة عن حدود الرهان على دعم قوة كبرى، في مجلس تستطيع قوة أخرى إغلاقه بفيتو واحد؟

ما الذي رفضته موسكو؟

بحسب رويترز، استهدف المشروع الأمريكي تقليص المكون العسكري للبعثة الأممية وتثبيت الحكم الذاتي المغربي باعتباره الأساس الوحيد للتفاوض حول التسوية السياسية. وطرحت روسيا، في المقابل، مشروعا يمدد ولاية البعثة سنة إضافية من دون التغييرات التي أرادتها واشنطن.

وهذا الفارق جوهري: لم يكن الخلاف مجرد تصويت مع المغرب أو ضده، بل خلافا على إطار التسوية وصلاحيات الحضور الأممي ومستقبل المسار التفاوضي.

ونقلت تغطية لتصريحات المندوب الروسي فاسيلي نيبينزيا اعتراضه على أن يحسم مجلس الأمن مسبقا مسائل السيادة، ورفضه ما وصفه بنهج منحاز إلى طرف واحد. هذا هو المبرر الروسي المعلن؛ أما القول إن الدافع الحقيقي كان معاقبة المغرب على ملف آخر، فهو استنتاج لا يثبت بهذه التصريحات.

ولا يعني عرض الحجة الروسية تبنيها أو التسليم بأنها تفسر كل حسابات الكرملين. لكنه يفرض التمييز بين الوقائع المثبتة، والمواقف الرسمية، والقراءات السياسية المحتملة.

مشروع روسي مضاد… وليس فيتو بلا بديل

قدمت موسكو مشروعا منافسا للإبقاء على الصيغة القائمة للبعثة لمدة سنة أخرى. وبحسب وكالة أسوشيتد برس، لم يحصل هذا المشروع على الأصوات التسعة اللازمة لاعتماده؛ إذ نال ثلاثة أصوات مؤيدة، مقابل صوت أمريكي معارض و11 امتناعا. ولذلك لم تكن واشنطن بحاجة إلى استعمال حق النقض لإسقاطه.

وهذه نقطة تستحق التصحيح، لأن بعض التغطيات قدمت ما جرى بوصفه «فيتو متبادلا». أما رواية أسوشيتد برس فتوضح أن الفيتو الروسي أسقط المشروع الأمريكي، بينما سقط المشروع الروسي لعدم حصوله على الأغلبية المطلوبة.

المشهد، إذن، يكشف مواجهة حول من يملك تحديد شروط المرحلة المقبلة: واشنطن دفعت نحو تغيير الإطار، وموسكو سعت إلى الإبقاء عليه. ولم ينجح أي منهما في تمرير مشروعه.

أوكرانيا: تباعد دبلوماسي ثابت، وانتقام غير مثبت

صوّت المغرب في أكتوبر 2022 لصالح قرار الجمعية العامة الرافض لمحاولة ضم مناطق أوكرانية، ثم أيّد في فبراير 2023 قرارا يدعو إلى سلام قائم على مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وانسحاب القوات الروسية. ويؤكد تقرير لخدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي هذين الموقفين، مع الإشارة إلى أن الرباط لم تشارك في بعض التصويتات السابقة خلال الأشهر الأولى من الحرب.

هذا المسار يثبت وجود تباعد بين الرباط وموسكو بشأن أوكرانيا، لكنه لا يثبت أن الفيتو الروسي في الصحراء صدر ردا عليه.

كما أن وصف التصويت المغربي بأنه مجرد «اتباع لأمريكا» يغفل قراءة أخرى ممكنة: الدفاع عن وحدة أراضي الدول يمكن أن ينسجم مع خطاب المغرب نفسه بشأن السيادة والوحدة الترابية. الاختيار قد يحمل كلفة في علاقته بروسيا، لكنه لا يصبح تلقائيا بلا منطق مستقل لمجرد اتفاقه مع واشنطن.

التحليل الأكثر تماسكا هو أن المواقف من أوكرانيا تشكل جزءا من سياق العلاقات، لا سببا وحيدا مثبتا لقرار موسكو.

قصة الدبابات: ملف لا يحتمل الجزم

تحتاج رواية إرسال المغرب 20 دبابة من طراز «تي-72» إلى أوكرانيا إلى قدر أكبر من التحفظ مما ورد في الطرح المتداول.

ظهرت سنة 2023 تقارير عن وصول دبابات مغربية كانت تخضع للتحديث في التشيك إلى أوكرانيا، وأشار تقرير خدمة أبحاث الكونغرس إلى تقارير تتحدث عن توريد 20 دبابة مجددة. لكن تقارير أخرى نقلت نفيا مغربيا، كما نقلت مادة تحقق عن وزير الخارجية ناصر بوريطة تأكيده أن المغرب لم يتبرع بدبابات لأوكرانيا وأنه ليس طرفا في النزاع.

وزادت الرواية تعقيدا عندما اتهمت موسكو الجانب التشيكي بالتصرف في دبابات مغربية من دون موافقة الرباط، بينما رفضت وزارة الخارجية التشيكية والشركة المعنية هذه الاتهامات.

لذلك لا يصح بناء تفسير حاسم للفيتو على عبارة: «المغرب أرسل دباباته سرا لضرب روسيا». فالمتاح علنا يتضمن تقارير وروايات متعارضة، ولا يتيح التعامل مع تفاصيل الموافقة المغربية أو عدد الدبابات ومسار نقلها باعتبارها حقائق محسومة.

كوبا: تصويت صحيح… لكنه ليس «البارحة»

في 28 أكتوبر 2026، صوّت المغرب ضد قرار الجمعية العامة الداعي إلى إنهاء الحظر الاقتصادي والتجاري والمالي الأمريكي على كوبا. واعتمد القرار رغم ذلك بأغلبية 130 صوتا، مقابل 17 معارضا و25 امتناعا، وفق الأمم المتحدة، بينما أدرجت أسوشيتد برس المغرب ضمن الدول المصوتة ضد النص.news.un+1

هذا موقف يضع الرباط في التصويت نفسه مع واشنطن، ويستحق نقاشا حول أولويات سياستها الخارجية. لكنه سبق الفيتو الروسي بيومين، ولا تتوافر في المصادر المستخدمة هنا قرينة تثبت أن موسكو اتخذت قرارها في الصحراء عقابا عليه.

ولا يكفي القول إن كوبا كانت حليفة للاتحاد السوفياتي لتفسير استمرار الحظر أو كل المواقف الدولية بشأنه. فالتصويت له موضوعه وسياقه، والربط بينه وبين الصحراء يبقى فرضية سياسية، لا معلومة مؤكدة.

أين يقع التفسير الأقوى؟

التفسير الأقرب إلى الأدلة المتاحة يبدأ من مضمون المشروع الأمريكي نفسه: محاولة نقل المسار إلى صيغة تجعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الخيار التفاوضي الوحيد، مع تعديل دور البعثة الأممية. وهذا تحديدا ما اعترضت عليه موسكو، التي قدمت نصا يحافظ على الترتيبات القائمة.

وتسمح هذه المواجهة بقراءة أوسع: روسيا لا تريد ترك صياغة التسوية لواشنطن وحدها. لكن يجب تقديم ذلك باعتباره استنتاجا من سلوكها في المجلس، لا اعترافا روسيا بدافع خفي.

أما ملفات أوكرانيا والدبابات وكوبا، فيمكن أن تدخل في تقييم المناخ العام للعلاقات، من دون تحويلها إلى «لائحة اتهام» تفسر الفيتو آليا. السياسة الدولية أعقد من معادلة: صوّتّ ضدي هنا، فسأصوّت ضدك هناك، وإن كانت حسابات المعاملة بالمثل حاضرة أحيانا في العلاقات بين الدول.

ما الذي ينبغي أن تسأل عنه الدبلوماسية المغربية؟

يكشف الفيتو حدود الدعم الأمريكي داخل مؤسسة لا تحكمها قوة واحدة. فواشنطن تستطيع صياغة مشروع وتعبئة التأييد له، لكنها لا تستطيع وحدها ضمان مروره إذا قررت دولة دائمة العضوية تعطيله.

ومن هنا، تبرز أسئلة مشروعة:

  • هل سبقت طرح المشروع اتصالات كافية لتقدير احتمال الفيتو الروسي؟
  • هل كان ممكنا التفاوض على صياغة تحفظ التقدم الذي يريده المغرب وتتفادى إغلاق المجلس؟
  • كيف تحافظ الرباط على شراكاتها الغربية من دون فقدان قنوات التأثير لدى القوى الأخرى؟
  • ما الخطة البديلة عندما تصطدم المبادرة المدعومة أمريكيا بحق النقض؟
  • وهل يُشرح للرأي العام الفرق بين الاعتراف الثنائي، والدعم السياسي، والقرار الأممي القابل للتنفيذ؟

طرح هذه الأسئلة لا يعني مطالبة المغرب بالتنازل عن مواقفه من أوكرانيا أو غيرها لإرضاء موسكو. بل يعني تقييم كلفة كل اختيار، والاستعداد لتداعياته، وعدم تقديم وعود الحلفاء باعتبارها ضمانة نهائية.

لا «انتقام مثبت» ولا دعم مضمون

القول إن روسيا استعملت الفيتو ضد المشروع الأمريكي بشأن الصحراء صحيح. والقول إن المغرب اتخذ مواقف لا توافقها موسكو بشأن أوكرانيا صحيح أيضا. لكن جمع الواقعتين لا يكفي لإثبات أن الثانية هي سبب الأولى.

الأكثر دقة أن الفيتو عبّر عن رفض روسي لصيغة التسوية التي دفعت بها واشنطن، وسط تباينات أوسع في العلاقات الدولية. أما جعله عقوبة مباشرة على دبابات متنازع على روايتها أو على تصويت كوبا، فيمنح القارئ يقينا لا تسنده الأدلة.

والدرس الأهم للرباط ليس أن عليها إرضاء كل القوى، وهو أمر غير ممكن، بل أن دعم الحليف لا يلغي قدرة الخصم على التعطيل. لذلك تُقاس قوة الدبلوماسية بقدرتها على تحويل التأييد إلى نتائج، وتوسيع مساحة التفاهم، وإدارة الخلاف قبل أن يصل إلى لحظة الفيتو.

المصدر متابعات دبلوماسية
رابط مختصر

من هنا يبدأ الخبر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق