لم تكن مشاهد الأطفال واليافعين وهم يندفعون نحو مياه سبتة بحثًا عن الضفة الأخرى مجرد خبر عابر عن الهجرة غير النظامية؛ كانت صورة جارحة لدولة يفترض أن يكون واجبها الأول حماية من هم في سنّ لا تكتمل فيها القدرة على تقدير الخطر. وبينما تتحدث الخطابات عن الإنجاز والقوة الإقليمية والتفوق في ملاعب كرة القدم، يختار قاصرون البحر، لا بوصفه مغامرة، بل بوصفه مخرجًا أخيرًا من أفق ضاق بهم.
وفي الساعات الأخيرة، أعلنت إسبانيا والمغرب اتفاقًا لتكثيف التنسيق وتسريع إعادة من دخلوا سبتة بصورة غير نظامية. لكن جوهر المأساة ليس في كيفية إعادتهم فقط، بل في السؤال الذي سبق العودة: كيف وصل أطفال إلى لحظة يضعون فيها حياتهم بين أمواج البحر وحدود المدينة؟
أطفال كصغار السلاحف
يشبه المشهد، في قسوته، صغار السلاحف التي تفقس على الرمل ثم تتجه نحو البحر، وحيدة أمام الموج والطيور والمفترسات. لكن الفرق فادح: تلك كائنات لا دولة لها، أما هؤلاء فهم أطفال يفترض أن لهم مؤسسات، ومدارس، وأسرًا تحتاج الدعم، وسياسات عمومية ملزمة بحمايتهم.
القاصر لا يزن الخطر كما يزنه الراشد. لا يرى في البحر إلا مسافة نحو حلم، ولا يرى في الضفة الأخرى إلا فرصة، وقد لا يستوعب معنى الغرق أو الاعتقال أو الإعادة أو الصدمة النفسية. لذلك، فإن أي معالجة مسؤولة تبدأ بمنع وصول الطفل إلى الماء، لا بانتظار وصوله إلى سبتة ثم التفاوض على إرجاعه.
مسؤولية لا تقبل التهرب
لا يجوز تحويل كل طفل هاجر إلى “مغامر” أو تحميل الأسرة وحدها وزر ما حدث. فالهجرة الجماعية للقاصرين ليست قرارًا فرديًا صرفًا؛ إنها مؤشر على خلل اجتماعي عميق: فقر، وهشاشة، وانقطاع مدرسي، وبطالة، وغياب فضاءات الأمل، وضعف حماية الطفولة في أحياء وقرى كثيرة.
وتتحمل الدولة مسؤولية مضاعفة هنا: مسؤولية وقائية لمنع تعريض القاصرين لمخاطر العبور، ومسؤولية اجتماعية لمعالجة الأسباب التي تجعل الضفة الأخرى تبدو، في نظرهم، أكثر أمانًا من بلدهم. لا أحد يطلب معجزة، بل الحد الأدنى: حماية فعلية، تدخل اجتماعي، مواكبة أسرية، وتعليم يفتح أفقًا، لا أن يصبح البحر هو مشروع التخرج الوحيد المتاح لبعض الأطفال.
لا أدلة علنية على “تدبير” العبور
من الضروري التمييز بين الوقائع والاتهامات. لا تتوفر، في المعطيات العلنية التي اطلعت عليها، أدلة تثبت أن الدولة المغربية حرّضت القاصرين أو دفعتهم رسميًا نحو سبتة من أجل تصفية حسابات سياسية مع إسبانيا. لكن غياب دليل علني على “التدبير” لا يلغي مسؤولية السلطات عن حماية الحدود والسواحل والقاصرين، ولا يعفيها من تقديم جواب مقنع: لماذا لم تُمنع موجة الخروج قبل أن تتحول إلى خطر جماعي؟
فالسلطة التي تملك القدرة على التنسيق الأمني السريع لإعادة الوافدين، تملك كذلك واجبًا وقدرة على تفعيل إجراءات استباقية لحماية القاصرين من الانزلاق إلى هذا المصير. والمحاسبة المطلوبة ليست اتهامًا مجانيًا، بل مطالبة بالشفافية: ما حجم التدفق؟ كم عدد القاصرين؟ هل سُجلت وفيات أو إصابات؟ وما التدابير التي اتخذت قبل وبعد الواقعة؟
اتفاق الإعادة لا يكفي
الاتفاق المعلن بين الرباط ومدريد يتحدث عن تعزيز التنسيق، ومراجعة وتفعيل الإجراءات التي تتيح إعادة الأشخاص الذين دخلوا سبتة بطريقة غير نظامية “في أقرب وقت ممكن”. غير أن تقارير صحفية نقلت أيضًا أن التنفيذ لا يملك، حتى الآن، جدولًا زمنيًا محددًا ومعلنًا.
لكن إعادة الناس لا يمكن أن تكون خاتمة القصة ولا سياستها الوحيدة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقاصرين. الإعادة التي لا ترافقها حماية فردية، وتقييم لوضع الطفل، ولمّ شمل آمن، ودعم نفسي وتعليمي، وخطة تحول دون تكرار المحاولة، قد تتحول ببساطة إلى تأجيل للمأساة لا إلى حل لها.
كرة القدم لا تُطعم الأمل
لا أحد ينكر أن الإنجاز الرياضي يمنح الناس فرحًا جماعيًا وصورة إيجابية للبلد. لكن لا ينبغي أن يُستخدم بريق الملاعب لتغطية العتمة التي تدفع بعض الأطفال إلى البحر. انتصار منتخب وطني لا يعوض فشلًا في توفير المدرسة أو العلاج أو فرصة الشغل للأسر أو الحماية للطفولة.
المقارنة مع إسبانيا لا تُحسم بنتيجة مباراة، بل بقدرة كل بلد على جعل مواطنيه، ولا سيما صغاره، يشعرون أن لهم مكانًا ومستقبلًا وكرامة في وطنهم. وحين يصبح البحر أقرب إلى خيال الطفل من المدرسة أو مركز التكوين أو فضاء اللعب، فذلك إنذار اجتماعي وسياسي لا يحق لأحد تجاهله.
السؤال الذي لا يجب دفنه
هذه الكارثة ليست فقط في صور السباحة أو أرقام الوافدين أو إجراءات الإعادة. الكارثة الحقيقية هي أن طفلًا مغربيًا قد يقتنع بأن النجاة توجد خلف البحر، لا أمامه في بلده.
على الدولة أن تتوقف عن إدارة الملف بمنطق أمني وإجرائي فقط، وأن تعترف بأن حماية القاصرين ليست بندًا ثانويًا في المفاوضات مع مدريد. إنها التزام قانوني وأخلاقي لا يمكن تأجيله. فقبل سؤال: كيف نعيدهم؟ يجب أن يُطرح السؤال الأهم: ماذا فعلنا كي لا يضطروا أصلًا إلى الهرب؟



















