عقيدة مدريد الثابتة: السيادة خط أحمر لا يقبل المساومة
«الجغرافيا قدر، لكن السياسة لعبة حدود ومصالح»؛ بهذه المقاربة البراغماتية، اختارت الدبلوماسية الإسبانية رسم خطوط التماس في علاقتها المتشابكة مع الرباط. ففي جلسة مساءلة حاسمة أمام مجلس النواب الإسباني، قطع وزير الشؤون الخارجية والاتحاد الأوروبي والتعاون، خوسيه مانويل ألباريس، حبل التكهنات بشأن مستقبل مدينتي سبتة ومليلية، موجهاً رسالة واضحة لا تحتمل التأويل الدبلوماسي: «لم تكن هناك، ولا توجد، ولن تكون أبداً أي محادثة مع المغرب حول هذا الموضوع».
ألباريس، الذي وجد نفسه تحت مجهر النواب عقب أحداث الهجرة الاستثنائية التي شهدتها الثغور الشمالية، أكد أن المدينتين تتمتعان بوضعية دستورية وإدارية غير قابلة للاجتهاد ضمن السيادة الإسبانية، معتبراً أن وحدة التراب الإسباني ملف مغلق نهائياً أمام أي نقاش ثنائي حاضر أو مستقبلي.

رد حاسم على تصريحات وهبي وسردية الحق التاريخي
تأتي خرجة رئيس الدبلوماسية الإسبانية كرد مباشر على تصريحات وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي، الذي أعاد مؤخراً إحياء النقاش الجدلي بوصفه سبتة ومليلية «حقاً تاريخياً وجغرافياً» لا يسقط بالتقادم، داعياً إلى إرساء آلية حوار لاسترجاعهما إلى «حضن الوطن». هذا التباين الحاد يكشف الفجوة العميقة بين السردية المغربية المؤسسة على استكمال الوحدة الترابية، وبين المنظور الإسباني المتمسك بالأمر الواقع والتوازنات الجيوسياسية.
ورغم حدة الخطاب السياسي الإسباني، إلا أنه يعكس في عمقه رغبة مدريد في تجريد تصريحات المسؤولين المغاربة من أي أثر تفاوضي ميداني، وتثبيت قواعد اشتباك سياسي لا تمس الوضع الراهن للمدينتين المحتلتين في الوعي الجمعي المغربي.
براغماتية الهجرة والأمن: تعاون استراتيجي دون تنازلات
المفارقة اللافتة في مرافعة ألباريس تمثلت في قدرته على الفصل الميكانيكي بين ملف السيادة المتصلب وملف التعاون الأمني المشترك. فقد أشاد الوزير الإسباني بالتنسيق الوثيق مع الأجهزة الأمنية المغربية في تطويق تدفقات الهجرة غير النظامية وتفكيك شبكات تهريب البشر، مشيراً إلى أن التنسيق السريع مكن من إعادة ما لا يقل عن 90% من الوافدين خلال الأزمة الأخيرة.
هذا التناقض الصارخ يطرح تساؤلات حول الكلفة الحقيقية التي يدفعها المغرب؛ إذ يضطلع بدور ‘دركي الحدود’ لحماية العمق الأوروبي، في وقت توصد فيه مدريد كل المنافذ أمام نقاش جوهر النزاع الإقليمي التاريخي.
ارتدادات المشهد على الشمال المغربي وأسئلة المسؤولية
إن إغلاق مدريد لباب المفاوضات لا يختبر فقط صلابة الموقف الدبلوماسي المغربي، بل يلقي بظلاله الثقيلة على مناطق الشمال والريف المحاذية للثغرين، والتي تعيش ركوداً اقتصادياً خانقاً منذ إغلاق المعابر التجارية، دون أن تفرز السياسات العمومية بدائل تنموية تضمن كرامة الساكنة.
أمام هذا الإصرار الإسباني على تحويل سبتة ومليلية إلى قلاع أمنية معزولة، تبرز الأسئلة الحارقة: إلى أي حد تستطيع الدبلوماسية المغربية توظيف أوراق الضغط الاستراتيجية لفرض واقع جديد يتجاوز منطق التدبير الأمني للحدود؟ وهل تملك الحكومة الحالية استراتيجية تنموية حقيقية لانتشال المناطق الشمالية من التبعية الاقتصادية لثغور يرفض الجار الشمالي مجرد الحديث عن مغربيتها؟



















