اختراق تاريخي يهزّ جهاز “المخزن”: 70 ألف اسم من رجال الأمن المغربي في العلن.. والصمت الرسمي يتحدث أكثر من أي بيان

حسيمة سيتيمنذ 28 دقيقةآخر تحديث :
اختراق تاريخي يهزّ جهاز “المخزن”: 70 ألف اسم من رجال الأمن المغربي في العلن.. والصمت الرسمي يتحدث أكثر من أي بيان
المهدي بنمنصور

هذه المرة لم يكن التسريب شائعة عابرة أو تهديدًا خجولًا، بل ضربة استخباراتية موصوفة: مجموعة قراصنة تكشف هويات أكثر من 70 ألف عنصر من جهازي الأمن والاستخبارات المغربيين، في أكبر اختراق موثق يتعرض له “المخزن” الأمني منذ تأسيسه. والمفارقة الأكثر إيلامًا ليست حجم التسريب، بل أن المغاربة اضطروا، كعادتهم في القضايا الحساسة، إلى معرفة تفاصيل ما يجري داخل بلدهم عبر صحيفة فرنسية، لا عبر إعلامهم الوطني.

ماذا كشفت لوموند؟

نشرت صحيفة “لوموند” الفرنسية، ضمن تغطية موسعة، أن مجموعة قراصنة تُعرف باسم “جباروت” نشرت على تليغرام، يوم الإثنين 24 غشت، لوائح تضم أسماء نحو 70 ألف عنصر يُشتبه في انتمائهم لأجهزة الأمن والاستخبارات المغربية، “المتواجدين بأوروبا وداخل مؤسسات استراتيجية مغربية”، بحسب تعبير القراصنة أنفسهم.

وأوضحت الصحيفة أن الجداول المسربة، التي أطلعت عليها بنفسها، تضم أساسًا أسماء مجهولة، إلى جانب كوادر عليا في المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، بما فيها اسم رئيسهما عبد اللطيف الحموشي، الذي كثيرًا ما توصفه الصحافة بـ”الشرطي الخارق” للملك محمد السادس.

تفاصيل مرعبة في دقتها

لم يقف التسريب عند الأسماء فقط. فبحسب لوموند ومصادر إسبانية أخرى، تضمنت الملفات أرقام تسجيل إداري، وأرقام بطاقات التعريف الوطنية، وأرقام حسابات بنكية، وتواريخ التوظيف والميلاد، لعناصر تتوزع بين مديرين جهويين ورؤساء مصالح، من مكافحة الإرهاب إلى مكافحة التجسس، مرورًا بالعمليات والموارد البشرية والميزانية.

هذا المستوى من التفصيل يجعل التسريب أخطر من مجرد “قائمة أسماء”، لأنه يفضح خريطة تنظيمية كاملة لجهازي أمن حساسين، بما فيها البيانات البنكية لبعض العناصر، وهو ما اعتبرته مصادر إسبانية “أكبر اختراق مضاد للتجسس يتعرض له جهاز أمني شمال إفريقي في أوروبا خلال العقود الأخيرة”.

من هي “جباروت” وما دوافعها؟

بحسب تحقيقات صحفية متطابقة من مصادر عدة، تُصنَّف “جباروت” كمجموعة قراصنة موصوفة بـ”الموالاة للجزائر”، وربطت هي نفسها هذا التسريب بتوترات الهجرة في سبتة، متوعدة السلطات المغربية، ومقدمة ما وصفته بـ”هدية لأوروبا، وخصوصًا لإسبانيا”.

كما زعمت المجموعة أنها تمتلك نسخًا من أوامر مهمة لعناصر أمنية تحركت نحو مدينة الفنيدق قبل أحداث العبور الجماعي وبعدها، في إشارة مباشرة إلى تحميل قيادات أمنية مسؤولية ما جرى هناك.

وبحسب موقع “ديموقراتا” الإسباني، وجّهت المجموعة أصابع الاتهام مباشرة إلى عبد اللطيف الحموشي، وإلى فؤاد عالي الهمة، أحد أبرز مستشاري الملك محمد السادس، بخصوص ما وصفته بدور في “أحداث سبتة”.

هل الخبر والتسريب حقيقيان؟

هنا تكمن الخطورة الحقيقية: لم يبق الأمر في خانة “مزاعم قراصنة” يمكن التشكيك فيها بسهولة. فبحسب موقع “إل كونفيدنسيال” الإسباني، الذي نقلت عنه مصادر أخرى، بدأت أجهزة الأمن الإسبانية نفسها التحقيق في التسريب منذ يوم الإثنين، واعتبرت، في مرحلة تحليل أولى، أن الوثائق “حقيقية”، حتى وإن كانت بعض المعطيات قديمة نسبيًا.

كما تحدثت “لوموند” عن معلوماتها الخاصة التي تشير إلى أن التسريب قد يكون عمل خمسة عناصر سابقين في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، لاجئين في أوروبا، وهو تفصيل خطير للغاية لأنه يحوّل القصة من “اختراق سيبراني خارجي” إلى ما يشبه “تسريبًا من الداخل” نفذه من كانوا جزءًا من الجهاز نفسه.

بعبارة أخرى: نحن لسنا أمام خبر ملفق أو حملة تضليل عابرة، بل أمام اختراق فعلي، تؤكد خطورته مصادر أمنية أوروبية مستقلة، وتتقاطع تفاصيله بين صحف فرنسية وإسبانية ودولية متعددة، من “لوموند” إلى “كورييه إنترناسيونال” إلى “روسيا اليوم” بالفرنسية، مرورًا بوسائل إعلام إسبانية متخصصة في الأمن والاستخبارات.

لماذا يهدد هذا التسريب أكثر من “خصوصية موظفين”؟

هذا التسريب لا يمس فقط “خصوصية” 70 ألف شخص، بل يضرب في عمق منظومة أمنية بُنيت على السرية كخط دفاع أول. فحين تُعرف هوية عناصر مكلفين بمكافحة الإرهاب أو التجسس، وتُكشف بياناتهم البنكية وتواريخ ميلادهم، فإن ذلك يعرّضهم لخطر مباشر: من الابتزاز إلى الاستقطاب المعاكس إلى التهديد الجسدي، خصوصًا لمن يعملون في الخارج ضمن ما وصفته المجموعة بـ”مؤسسات استراتيجية”.

كما يهدد التسريب شبكة التعاون الأمني التي بناها المغرب مع عشرين دولة إفريقية على مدى عقد كامل، بحسب تحليل نشرته RT بالفرنسية وموقع Afrik.com، معتبرين أن الاختراق لا يحرج الرباط أمام مدريد فقط، بل يهز أيضًا أصلًا دبلوماسيًا وأمنيًا استثمر فيه المغرب طويلًا في عمقه الإفريقي.

أين الصحافة المغربية من كل هذا؟

هنا يكمن السؤال الأكثر إيلامًا في هذه القصة: خبر بهذا الحجم، يمس سيادة الدولة وأمن مواطنيها العاملين في القطاع الأمني، جاءنا أساسًا عبر “لوموند” الفرنسية، وتقارير إسبانية معمقة، بينما ظل الحضور الإعلامي الوطني المغربي في الغالب محتشمًا أو غائبًا عن تفاصيله الحقيقية.

هذه ليست مصادفة، بل عرض حي لمشكلة بنيوية عميقة: صحافة تفضل الأمان في تناول “الترندات” والقضايا الخفيفة، وتتجنب الاقتراب من الملفات التي تحتاج شجاعة مهنية وتحقيقًا مستقلًا واستجوابًا فعليًا لمن يتحمل المسؤولية.

فبينما تخصص الصحف الفرنسية والإسبانية فرقًا كاملة لتتبع خيوط “جباروت” منذ تهديداتها الأولى في غشت، والتحقق من مصداقية بياناتها، والتحدث إلى مصادر أمنية لتقييم خطورة التسريب، تكتفي أغلب المنابر المغربية بإعادة نشر مقتطفات مترجمة، أو التزام صمت شبه كامل، في انتظار “توجيه” أو “إشارة” تسمح بالتعليق.

غياب الصحافة الوطنية: ثمن يدفعه المواطن

هذا الغياب لا يحمي أحدًا، بل يترك المواطن المغربي بلا مصدر وطني موثوق يشرح له ما يحدث، ويدفعه للبحث عن الحقيقة في صحافة أجنبية قد تحمل أجندتها الخاصة، أو في قناة تيليغرام تديرها مجموعة قرصنة مجهولة الهوية والدوافع الحقيقية.

فحين تنشغل الصحافة المحلية بمتابعة “ترند” عابر على مواقع التواصل، أو خبر مشاهير بلا قيمة إخبارية حقيقية، بينما يُخترق جهاز أمني بالكامل ويُعرَّض آلاف الموظفين لخطر حقيقي، فإن هذا لا يعكس فقط ضعف الإمكانيات، بل يعكس أزمة أعمق في تعريف “الأولوية الصحفية” نفسها.

الصحافة الحقيقية لا تعني بالضرورة معارضة الدولة أو مهاجمتها، بل تعني تنوير المواطن، وطرح الأسئلة الصعبة، ومحاسبة المسؤولين، ومنح الجمهور حقه الأساسي في المعرفة. وحين تتغيب هذه الوظيفة عن قضية بحجم اختراق أمني غير مسبوق، فإن الفراغ الذي تتركه الصحافة الوطنية سيُملأ دائمًا من الخارج، بروايات لا تخضع لأي رقابة أو مصلحة وطنية.

خلاصة: من يحمي من؟

في النهاية، يبقى السؤال الأهم ليس فقط “من اخترق ومن سرّب؟”، بل “لماذا يتوجب على المغاربة أن يتعلموا تفاصيل ما يجري داخل جهازهم الأمني من صحيفة فرنسية؟”. فحين تصمت الصحافة الوطنية عن قضية تلامس الأمن القومي بشكل مباشر، فإنها لا تحمي الدولة، بل تحرم المواطن من فهم واقعه، وتترك مساحة الحقيقة مفتوحة أمام كل من يريد تأويلها كما يشاء.

المصدر المهدي بنمنصور - حسيمة سيتي
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق