جريمة ليهانا: مأساة طفلة حولها اليمين المتطرف إلى منصة انتخابية

حسيمة سيتي9 يونيو 2026آخر تحديث :
جريمة ليهانا: مأساة طفلة حولها اليمين المتطرف إلى منصة انتخابية

باريس — خاص

في التاسع والعشرين من مايو 2026، خرجت ليهانا، طفلة تبلغ إحدى عشرة سنة، من باب إعدادية “هوبير ريف” في بلدة فلورانس بمنطقة جيرس جنوب غرب فرنسا، ولم تعد. بعد ستة أيام من البحث المضني، عثرت فرق التحقيق على جثة طفلة في صومعة مهجورة بمزرعة نائية ببلدة “بويكاسكيي”، على بعد خمسة عشر كيلومتراً من آخر مكان شوهدت فيه. وجاء تقرير الحمض النووي ليؤكد ما كانت تخشاه فرنسا كلها: إنها ليهانا.

الجريمة وما كشفته عن خلل قضائي حقيقي

المشتبه به الرئيسي، وهو رجل يبلغ من العمر إحدى وأربعين سنة، كان أباً لأقران الضحية وصديقاً للعائلة. شهدت كاميرات المراقبة ليهانا وهي تركب سيارته بعد خروجها من المدرسة مباشرة. الصادم في القضية ليس الجريمة وحدها، بل ما كشفته التحقيقات: هذا الرجل كان معروفاً للقضاء والشرطة، وقد وُجِّهت ضده شكاوى موثقة بتهمة اغتصاب قاصرات منذ عام 2020، وشكوى ثانية في 2025 عن ضحية طفلة في العاشرة من عمرها، لكن الإجراءات القضائية سارت ببطء مخيف ولم تُفضِ إلى اعتقاله أو إبعاده عن الأطفال.

وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان لم يجد مناصاً من الاعتراف، ووصف ما جرى بأنه “إخفاق جسيم”، معترفًا بأن شكوى الاغتصاب المقدمة عام 2025 لم تُعالَج بالسرعة المطلوبة، وأن التنسيق بين المصالح القضائية ظل ورقياً وبطيئاً رغم خطورة الملف. الرئيس إيمانويل ماكرون وصف الأمر بـ”الأعطال غير المقبولة”، وطالب بفتح تحقيق إداري شامل.

زيمور يوظف الدماء في خطابه السياسي

قبل أن تجف دموع أهل ليهانا، وقبل أن تصدر نتائج التحقيق بشكل كامل، كان إيريك زيمور رئيس حزب “استرداد” اليميني المتطرف قد طل على الفرنسيين عبر قناة BFM TV ليحوّل المأساة إلى خطاب سياسي جاهز. طالب زيمور ببناء مئة ألف زنزانة جديدة، وبتطبيق ما يسميه “الترحيل العكسي” (Remigration)، أي ترحيل المهاجرين غير الشرعيين وذوي السوابق، وحتى سحب الجنسية من بعض الفئات وإعادتهم إلى بلدانهم.

لكن هذه البروباغندا تصطدم بحقيقة صلبة: المشتبه به في قضية ليهانا، وفق كل ما نشرته وسائل الإعلام الفرنسية وما أعلنته النيابة العامة، هو رجل فرنسي الجنسية يُدعى جيروم ب.، لا علاقة لأصوله بما يروجه زيمور. الجريمة المرتكبة هي إخفاق قضائي واضح لا أزمة هجرة، وقد اعترف بذلك صراحةً وزير العدل نفسه وأجهزة الدولة.

هذا النهج ليس جديدًا على زيمور. في عام 2022، وقف أمام صور الطفلة لولا ذات الاثنتي عشرة سنة، ضحية جريمة قتل بشعة نفّذتها امرأة جزائرية، ليطلق مصطلحه الشهير “فرانكوسيد” (Francocide)، واصفًا مقتل فرنسيين على أيدي أجانب بـ”إبادة” للهوية الفرنسية. اليوم يكرر الأسلوب نفسه: استغلال الحزن الجماعي وتحويله إلى وقود انتخابي.

جدل في الشارع الفرنسي وانقسام سياسي

الشارع الفرنسي ينقسم بوضوح: من جهة، تعاطف جارف مع عائلة ليهانا، وغضب مشروع على قصور الجهاز القضائي الذي أخفق في حماية طفلة كانت أمام عيونه. ومن جهة ثانية، رفض واسع لتوظيف المأساة في خطاب الكراهية وهجاء المهاجرين، وهو رفض لا يأتي من اليسار وحده، بل من صحفيين ومحللين وحقوقيين يرفضون الاستغلال السياسي للجنازات.

الأزمة الحقيقية التي كشفتها قضية ليهانا أعمق بكثير من شعار “الترحيل العكسي”: إنها أزمة منظومة قضائية لا تُفعّل شكاوى الأطفال بالسرعة الكافية، وأزمة تنسيق بين مصالح تعمل بالورق بدل الأنظمة الرقمية، وأزمة ثقافة اجتماعية لا تأخذ شهادات الضحايا الصغار بالجدية الواجبة. هذه الإصلاحات المطلوبة لا علاقة لها بجنسية الجاني ولا بعرقه ولا بأصله.

ليهانا لم تُقتل بسبب سياسة الهجرة. قُتلت لأن رجلاً متهماً بانتهاك أطفال ظل طليقاً وقريباً منهم لسنوات، بينما كانت الشكاوى تتراكم على مكاتب القضاء دون أن تجد الأذن الواجبة. وحين يُحوَّل اسم طفلة من ضحية لمأساة حقوقية إلى شعار لحزب يستعد لانتخابات رئاسية، فذلك هو الإساءة الحقيقية لذكراها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق