العطش يعود إلى الواجهة في الحسيمة
خلال هذا الأسبوع عادت أزمة الماء بقوة إلى صدارة حديث سكان عدد من جماعات إقليم الحسيمة، مع انقطاعات متكررة للماء الصالح للشرب بالتزامن مع ارتفاع الحرارة وبداية موسم الصيف، ما دفع الساكنة إلى التحضير لاحتجاجات أمام عمالة الإقليم للمطالبة بحل جذري.
سكان دواوير ومراكز قروية يقولون إن الأمر لم يعد مجرد انقطاع عابر، بل معاناة يومية تضطرهم للبحث عن مصادر بديلة للماء، وسط تبادل للمسؤوليات بين المصالح المعنية وغياب أجوبة واضحة أو آجال مضبوطة لإنهاء الأزمة.
هذا الغضب الحالي يتغذى من ذاكرة قريبة: انقطاعات سابقة للماء في الحسيمة خلال الأعياد والصيف خلقت احتقانًا واسعًا، وبلاغات متكررة من المكتب الوطني للماء تعد كل مرة بأن “المشكل سيُحلّ نهائيًا” وأن مشاريع “منارة المتوسط” ومحطة تحلية مياه البحر ستؤمّن الحاجيات إلى حدود 2035. اليوم، ومع تجدد الانقطاعات، يشعر جزء من الساكنة أن الوعود الاستثمارية الكبيرة لم تنعكس بعد في صنبور البيت.
صيف 2026: بين صورة سياحية جميلة وواقع متعب
على صفحات فيسبوك وإنستغرام، يتكرر نفس التموج: صور لشواطئ خلابة وحملات ترويج للسياحة في الحسيمة والناظور، مقابل تدوينات ساخطة عن “مشاكل الصيف للمرة المليون” من ازدحام، وقلة تنظيم، وضعف خدمات أساسية.
في الناظور تحديدًا، ينتقد رواد الشاطئ وأبناء القرى الساحلية استغلال الشواطئ وفرض أداء مقابل الاستفادة من الفضاءات، في حين تشتكي الساكنة من أنها أول من يُهمَّش في موسم يُفترض أن يعود بالنفع على المنطقة وأهلها.
في الحسيمة، على الرغم من مجهودات جديدة في ملف النظافة وتعزيز الأسطول استعدادًا لصيف 2026، كما تنقل بعض المنابر المحلية، فإن نقاشات سكان المدينة على المنصات الاجتماعية ما زالت تعود دائمًا إلى سؤال جوهري: لماذا تتحسن الخدمات فقط في الصورة والخطاب، بينما يعاني الناس من الماء، والنقل، وغلاء المعيشة؟
ناظور متعب: عمل هش واحتجاجات اجتماعية
إقليم الناظور بدوره يعيش قلقًا من نوع آخر؛ النقابات تتحدث عن تدهور القدرة الشرائية واستمرار الهشاشة في الشغل، وتستعمل محطة فاتح ماي هذه السنة لرفع نداء واضح ضد التهميش الذي ما زال يطبع الإقليم رغم كل الوعود.
في موازاة ذلك، تشهد بعض القطاعات ما سمي “أسبوع الغضب” في شركات متعددة الخدمات، حيث يحتج العمال على ظروف العمل والتأخر في الأجور، في مشهد يعكس كيف تحوّل الهش الاقتصادي إلى قلق يومي يضغط على الأسر.
سكان نواحي الناظور يشتكون أيضًا من مشاريع متعثرة كتهيئة الطرق الجماعية، مثل ما يثار حول طريق “أولاد يخلف” بأركمان، ومن حرائق غابوية متكررة في محيط الناظور وبني أنصار تزيد الإحساس بالهشاشة البيئية وضعف الوقاية.
بنية تحتية معاقة وشعور دائم بالعزلة
منشورات كثيرة لسكان الحسيمة والناظور تعيد التذكير بمطالب قديمة جديدة: ربط حقيقي بالوطن عبر طرق سريعة وخط سككي، بدل طرق متعبة تستنزف الوقت والأعصاب، وتجعل السفر إلى الشمال الشرقي أو منه “رحلة عذاب”.
هذا الشعور بالعزلة ليس مجرد انطباع عاطفي؛ فقد كان ضمن مطالب حراك الريف نفسه: فك العزلة، تحسين البنى التحتية، مستشفيات، جامعات، وشبكة نقل تضع الريف على خريطة المغرب لا في هامشه.
اليوم، وبعد سنوات من الشعارات والبرامج، يشعر كثير من الشباب أن ما تغيّر هو اللغة أكثر مما تغيّر الواقع، وأن “المنارة” التي وُعدوا بها ما زالت بالنسبة لهم بعيدة عن تفاصيل حياتهم اليومية.
خوف قديم يتجدد: من العطش إلى عودة الاحتقان
اللافت في تعليقات السكان ونقاشاتهم أن أزمة الماء لا تُقرأ فقط كمشكل تقني، بل كجرس إنذار سياسي واجتماعي. تقارير محلية تتحدث صراحة عن أن استمرار انقطاعات الماء دون حلول ملموسة قد يدفع نحو تصعيد احتجاجي أوسع خلال الأيام المقبلة.
في منطقة تحمل ذاكرة حراك كبير، وحملة اعتقالات، وأحكام ثقيلة، يصبح أي توتر اجتماعي ـ ولو حول خدمة أساسية ـ محمّلًا دائمًا بسؤال: هل تتعلم الدولة من الماضي، أم تدفع الناس من جديد نحو الشارع؟
بين قلق الداخل وصورة الخارج
على منصات التواصل، تُصنع صورتان متباينتان للريف:
- ريف سياحي جميل، شواطئ ممتلئة، مهرجانات، ومحتوى ترويجي موجّه للزوار.
- ريفٌ يعيش العطش في دواويره، وغلاءً وضغطًا على شغله، وطرقات متعبة، ونقاشًا لا ينتهي حول التهميش والعدالة المجالية.
ما يؤرق الريفيين اليوم ليس ملفًا واحدًا منعزلاً، بل تراكم الإحساس بأن جذور الأزمة التي فجّرت حراك الحسيمة لم تُعالَج بعد: الماء، الشغل، الصحة، التعليم، النقل، واحترام كرامة الإنسان.
لذلك، فصوت الريف على الشبكات هذا الأسبوع يمكن تلخيصه في جملة واحدة:
“لا نريد صيفًا مليئًا بالصور الجميلة، بل صيفًا نستطيع فيه أن نشرب الماء، وأن نعيش بكرامة في مدننا وقرانا.”



















