أعاد الجدل الواسع حول “نظام الطيبات” طرح سؤال جوهري في المجال الصحي العربي: متى تتحول النصيحة الغذائية إلى خطاب شعبوي يَعِد أكثر مما يثبت، ويستثمر في خوف المرضى ويأسهم أكثر مما يستند إلى الأدلة الطبية؟ فقد انتشر النظام الذي ارتبط باسم ضياء العوضي بوصفه منهجًا غذائيًا “منقذًا” في نظر مؤيديه، لكنه قوبل باعتراضات طبية متزايدة حذرت من مخاطره، خصوصًا عندما يُقدَّم كبديل شبه شامل للتغذية المتوازنة أو كطريق علاجي لأمراض مزمنة ومعقدة.
تكمن خطورة هذا النوع من الخطاب في أنه لا يكتفي بالدعوة إلى تحسين العادات الغذائية، بل يبني منظومة كاملة من المسموح والممنوع، ويُلبسها أحيانًا لبوسًا دينيًا وأخلاقيًا يجعل من الاعتراض عليها وكأنه اعتراض على “الفطرة” أو “الشرع” لا على فرضية غذائية قابلة للأخذ والرد. وهنا يخرج النقاش من دائرة الطب إلى دائرة التأثير العاطفي والرمزي، وهي مساحة شديدة الحساسية عندما يكون الجمهور من المرضى أو من الباحثين عن أمل سريع.

لماذا يعترض الأطباء على نظام الطيبات؟
الاعتراض الطبي الأساسي على “نظام الطيبات” لا يتعلق بمبدأ تقليل الأطعمة المصنعة أو السكر الزائد، فهذه نصائح متفق عليها في الطب الوقائي، وإنما يتعلق بطبيعته الإقصائية والقطعية. فقد أشارت تقارير صحية إلى أن النظام يقوم على استبعاد مجموعات غذائية واسعة، مثل الخضروات ومنتجات الألبان، مع إطلاق أحكام عامة عليها، وهو ما يتناقض مع مبادئ التغذية الحديثة التي تقوم على التوازن والتخصيص بحسب العمر والحالة الصحية ونمط الحياة.
كما حذر أطباء وخبراء من أن بعض متبعي هذا النظام قد يفهمونه باعتباره بديلًا عن العلاج الطبي أو عن المتابعة المهنية، وهو ما يضاعف الخطر لدى مرضى السكري والقلب والكلى واضطرابات المناعة، لأن هؤلاء يحتاجون إلى تدخلات علاجية دقيقة لا إلى وصفات غذائية موحدة تُسوّق على أنها صالحة للجميع.
ما مخاطر منع الخضروات؟
يُعدّ استبعاد الخضروات أو شيطنتها من أكثر النقاط إثارة للاعتراض، لأن الخضروات تمثل مصدرًا مهمًا للألياف، وفيتامين C، والفولات، والبوتاسيوم، ومركبات نباتية واقية ترتبط في الأدبيات الطبية بانخفاض مخاطر أمراض القلب وبعض السرطانات واضطرابات الهضم.
وعندما يُمنع هذا الصنف الغذائي بشكل واسع، فإن النتيجة المحتملة ليست فقط فقدان عناصر غذائية أساسية، بل أيضًا اضطراب في صحة الجهاز الهضمي، وزيادة احتمالات الإمساك، واختلال التنوع الغذائي، وفتح الباب أمام أنماط أكل أكثر فقرًا من حيث القيمة الوقائية. لذلك فإن أي دعوة لحظر الخضروات تحتاج إلى دليل سريري قوي ومحدد لفئة بعينها، لا إلى تعميم فضفاض على جمهور واسع.
ما مخاطر منع منتجات الألبان؟
الأمر نفسه ينطبق على منتجات الألبان. فصحيح أن بعض الأشخاص قد يعانون عدم تحمل اللاكتوز أو حساسية بروتين الحليب، لكن ذلك لا يبرر تحويل الألبان إلى “عدو عام”. إذ يشير النقد الطبي المتداول إلى أن منع الألبان على نطاق واسع قد يحرم بعض الفئات من الكالسيوم والبروتين وفيتامين B12 وعناصر أخرى مهمة لصحة العظام والعضلات والجهاز العصبي، خاصة لدى الأطفال والنساء وكبار السن.
الطب الحديث يميّز بين الحالات الفردية التي تستدعي التعديل الغذائي وبين إطلاق أحكام نهائية على طعام كامل. أما الخطاب الذي يُسوّق المنع وكأنه حقيقة مطلقة، فإنه يخلق حالة من الذعر الغذائي بدل أن يبني وعيًا صحيًا متوازنًا.
الدين لا يتحمل أخطاء التغذية الشعبوية
أخطر ما في هذا النوع من الأنظمة ليس فقط ضعف الاستناد العلمي، بل أيضًا محاولة شرعنته دينيًا. فمفهوم “الطيبات” في النصوص الدينية مفهوم قيمي وأخلاقي واسع، لا يساوي أبدًا قائمة طعام مغلقة من وضع شخص واحد. تحويل المصطلح الديني إلى أداة لإضفاء قداسة على اجتهاد غذائي متنازع عليه هو خلط واضح بين الإيمان والطب، وبين النص والتأويل الشخصي.
الدين في جوهره يدعو إلى حفظ النفس، وإلى عدم إلقائها إلى التهلكة، وإلى التثبت في أمور الناس، لا إلى دفع المرضى إلى الثقة المطلقة في أنظمة لم تمر عبر التمحيص العلمي الكافي. لذلك فإن براءة الدين من هذه التفسيرات الانتقائية يجب أن تكون واضحة: ليس كل ما يُقال باسم “الفطرة” أو “الطيبات” صحيحًا طبيًا، وليس كل اعتراض علمي هو اعتراض على الدين.
لماذا يجد هذا الخطاب جمهورًا واسعًا؟
يجد هذا الخطاب رواجًا لأنه يخاطب فئة متعبة نفسيًا وصحيًا: مرضى فقدوا الثقة في الأدوية، أو أسر تبحث عن حل سريع، أو جمهور ضاق ذرعًا بتعقيد الطب الحديث. هنا تصبح الرسالة البسيطة واليقينية أكثر جاذبية من الحقيقة العلمية التي غالبًا ما تكون معقدة وحذرة ومشروطة.
كما أن حضور اللغة الدينية والحديث عن “الطعام النقي” و”استعادة الفطرة” يمنح الرسالة سلطة إضافية لدى جمهور واسع، فيتحول الاقتناع من قناعة غذائية إلى التزام نفسي وربما أخلاقي. وهذا بالضبط ما يجعل هذا النوع من الخطاب أكثر قدرة على الانتشار، لكنه أيضًا أكثر خطورة حين يخطئ.
ضياء العوضي ومحمد الفايد: تشابه في الأدوات واختلاف في الأسلوب
تظهر المقارنة بين ضياء العوضي ومحمد الفايد أن كليهما اشتغل في المساحة نفسها تقريبًا: مساحة التغذية البديلة الموجهة إلى جمهور واسع يبحث عن حلول بسيطة، مع استعمال خطاب نقدي حاد ضد السائد الطبي أو الغذائي. كما أن كليهما استفاد من اللغة اليقينية ومن جاذبية الظهور بمظهر “من يكشف الحقيقة المخفية”، وهو أسلوب شديد الفعالية في البيئة الرقمية العربية.
ويتشابه الرجلان أيضًا في توظيف المرجعية الدينية أو شبه الدينية داخل الخطاب الغذائي؛ فبدل تقديم الغذاء بوصفه مسألة علمية قابلة للتحديث والتصحيح، يُقدَّم أحيانًا في صورة أقرب إلى “منهج خلاص”، حيث يصبح المعترض جاهلًا أو أسيرًا للمنظومة التقليدية، بينما يُمنح المتحدث موقع المفسِّر العارف بما خفي عن الناس.
لكن مع ذلك، توجد فروق بينهما. فمحمد الفايد ارتبط بخطاب أوسع وأقدم وأكثر تشعبًا في الأعشاب والتغذية والمنتجات الطبيعية، وله حضور ممتد في الإعلام المغربي والعربي، بينما ارتبط ضياء العوضي أكثر بنظام محدد المعالم تحت اسم “الطيبات”، صيغ على هيئة قواعد أكثر صرامة وحدّة في تقسيم الطعام إلى نافع وضار.
كما أن الفايد يشتغل غالبًا ضمن أسلوب تفسير موسع للأغذية والطبخ والعناصر الطبيعية، في حين أن خطاب ضياء العوضي، بحسب ما أثاره الجدل حوله، كان أكثر مباشرة في المنع والإباحة، وأكثر قربًا من نموذج “النظام العلاجي” ذي القواعد القطعية. وهذا ما جعل الاعتراض عليه يظهر بصورة أسرع وأوضح، خاصة عندما ارتبط بمرضى يطبقونه باعتباره طريقًا للشفاء لا مجرد تعديل لنمط الحياة.
هل استُغل الجهل لتحقيق الانتشار؟
من الصعب فهم هذه الظواهر بمعزل عن البنية الاجتماعية والمعرفية التي تسمح لها بالانتشار. فضعف الثقافة الصحية لدى قطاعات واسعة من الجمهور، وارتفاع منسوب الخوف من الأمراض المزمنة، وفقدان الثقة في بعض المنظومات العلاجية، كلها عوامل تجعل الرسائل الحاسمة والجذابة أكثر تأثيرًا من الرسائل الطبية الرصينة. بهذا المعنى، فإن الانتشار لم يكن ثمرة العلم الصارم بقدر ما كان نتيجة استثمار فعال في الفراغ المعرفي واليأس الشعبي.
وهنا يلتقي ضياء العوضي ومحمد الفايد في نقطة أساسية: كلاهما خاطب جمهورًا يشعر أنه متروك بين مرض مكلف وطب معقد ومؤسسات لا تشرح بما يكفي، فقدم له خطابًا يبدو بسيطًا ومتماسكًا ومطمئنًا. غير أن الخطاب السهل ليس بالضرورة خطابًا صحيحًا، واستعمال الدين أو الفطرة لتسويق أفكار غذائية غير محسومة علميًا لا يجعلها أكثر صدقًا، بل أكثر قدرة على التحصن ضد النقد.
الخلاصة
الجدل حول “نظام الطيبات” ليس معركة شخصية، بل قضية وعي صحي عام. فالمطلوب ليس مطاردة الأشخاص بقدر ما هو حماية المرضى من الخطابات المطلقة، ورفض أي خلط بين الاجتهاد الغذائي والدليل الطبي، وبين التذكير القيمي وبين الاستغلال العاطفي للدين. إن الغذاء مهم فعلًا، لكنه لا يتحول إلى طب بمجرد أن يُقدَّم بلغة واثقة أو يُغلّف بمصطلحات دينية جذابة.
أما المقارنة بين ضياء العوضي والفايد، فهي تكشف أن الخطر لا يكمن فقط في المحتوى، بل أيضًا في الطريقة: حين يُسوَّق الرأي الشخصي كأنه حقيقة نهائية، وحين يصبح الجهل الجماعي بيئة مثالية للانتشار، يدفع المرضى الثمن أولًا. وهنا لا يعود السؤال: من الأقدر على الإقناع؟ بل: من الأوفى للعلم، والأرحم بالمريض، والأبعد عن استغلال حاجته وخوفه؟



















