زياش ويامال: حين تُكافأ الحرية هنا وتُقمع هناك

حسيمة سيتيمنذ ساعتينآخر تحديث :
زياش ويامال: حين تُكافأ الحرية هنا وتُقمع هناك
زياش ويامال: حين تُكافأ الحرية هنا وتُقمع هناك

مرايا ‘جانوس’ والمواقف المزدوجة

في الميثولوجيا القديمة، يظهر الإله ‘جانوس’ بوجهين ينظران في اتجاهين متعاكسين؛ وجه يرى الماضي وآخر يرقب المستقبل، وجه ينظر للداخل وآخر للخارج. هذه الصورة الرمزية هي الأدق لوصف المشهد السريالي الذي نعيشه اليوم في فضاء كرة القدم المعاصرة، حيث تصبح ‘القيمة’ الواحدة، والرمز الواحد، مبرراً للاحتفاء في بقعة جغرافية، وسبباً للتوجس أو التحييد في بقعة أخرى. نحن هنا لا نتحدث عن أهداف ضائعة أو تمريرات حاسمة، بل عن ‘خطوط التماس’ غير المرئية التي ترسمها السياسة حول أقدام اللاعبين.

مشهد برشلونة: حين يتكلم العلم في صمت المؤسسة

في قلب كتالونيا، حيث تتعقد الهويات وتتشابك الرؤى، وقف الشاب لامين يامال، الموهبة التي يتقاسمها الانتماء الأفريقي والواقع الأوروبي. في لحظة احتفالية كبرى، رفع علم فلسطين أمام أعين الكاميرات العالمية وعشرات الآلاف من المشجعين. كان المشهد في بلد ‘غربي’ يُفترض تاريخياً وانتماءً مؤسسياً أن يكون أكثر حساسية تجاه الرموز السياسية في الملاعب. ومع ذلك، لم تهتز أركان النادي، ولم تصدر بيانات ‘التوضيح’ أو ‘الاعتذار’ المتسرعة. هذا الفضاء، رغم كل الضغوط القانونية الصارمة للاتحادات الدولية (الفيفا)، منح يامال مساحة كونه ‘إنساناً’ قبل أن يكون ‘برغياً’ في ماكينة الاستثمار الرياضي. لم يُعامل الموقف كجريمة تستوجب ‘التصحيح’، بل كجزء من الهوية المعقدة للاعب يعيش في مجتمع يقر بالحق في التعبير عن الوجع الإنساني، حتى لو خالف الخطوط العريضة لبعض مراكز القوى.

حكيم زياش: ‘ساحر’ في مواجهة العتمة المفاجئة

على الضفة الأخرى، نجد حكيم زياش؛ اللاعب الذي لم يرتدِ قميص المنتخب الوطني المغربي كمجرد وظيفة، بل كرسالة انتماء دفع ثمنها سابقاً بصدامات مريرة. زياش، الذي عبّر عن موقف إنساني تضامني مع الأراضي الفلسطينية، وجد نفسه فجأة في منطقة رمادية. لم يكن هناك قرار ‘إيقاف’ رسمي، لكن لغة المؤسسات تكمن في ‘المسافات’. إن التحول من ‘أيقونة’ وطنية إلى اسم يغيب تدريجياً عن الواجهة، أو يوضع في قفص المساءلة غير المعلنة، يثير تساؤلات جوهرية. كيف يمكن لدولة تعتبر القضية الفلسطينية مركزية في خطابها الرسمي، أن تضيق ذرعاً بلاعب عبّر عن ذات الشعور بصدق عفوي؟ هنا تظهر المفارقة المرة: هل المطلوب من الرياضي أن يكون صوتاً للشعارات الرسمية فقط؟ أم أن صدق القناعة يصبح ‘عبئاً’ حين يتجاوز حدود الدبلوماسية المرنة؟

المقارنة الكبرى: عقلية الاحتواء مقابل عقلية الإقصاء

ليست المقارنة هنا بين إسبانيا والمغرب كدولتين، بل هي مقارنة بين عقليتين في إدارة ‘الرمز’. في التجربة التي عاشها يامال، نجد عقلية ترى في الاختلاف جزءاً طبيعياً من المشهد العام، لا تهديداً للاستقرار المؤسسي. أما في حالة زياش، فتبدو العقلية السائدة هي تلك التي تخشى ‘الخروج عن النص’، وتعتبر أي موقف شخصي قوياً بمثابة تعقيد لصورة مرسومة بعناية. إن استخدام قيم الدين والوطنية للاحتفاء بالمنجزات الرياضية هو أمر شائع، لكن المحك الحقيقي يظهر حين يمارس الرياضي تلك القيم نفسها في مواقف قد تبدو ‘غير مريحة’ لبعض الحسابات. حينها، نكتشف هل نحن نحترم ‘الإنسان’ في اللاعب، أم نحترم ‘النتائج’ التي يحققها فقط؟

هل القضية حق أم ديكور؟

في نهاية المطاف، يبقى التساؤل الأخلاقي قائماً: هل القضية الفلسطينية في وعينا الرياضي والمؤسسي هي قضية حق إنساني، أم أنها مجرد ‘ديكور’ نستخدمه في الخطابات ونطويه عند أول اختبار حقيقي لحرية الرأي؟ حكيم زياش ولامين يامال، كلاهما عبّر عن موقف، لكن ‘الثمن’ كان مختلفاً باختلاف العقليات التي تدير الفضاء الرياضي. إن احترام القضايا الكبرى يبدأ من احترام أصوات أصحابها، لا بمعاقبتهم على صدق انتمائهم في اللحظات الفارقة. سيبقى زياش علامة فارقة، ليس فقط بموهبته، بل بشجاعته في قول ما يمليه عليه ضميره، في زمن أصبح فيه الصمت هو العملة الأكثر تداولاً.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق