مشهد مفارقات أمام أعلى هيئة رقابية
في الوقت الذي كان فيه المواطن ينتظر إجابات حول كيفية تدبير ماله العام ومآل السياسات العمومية، كانت قاعة الجلسات بمجلس النواب تقدم مشهدا يطرح تساؤلات عميقة؛ كراسي فارغة، وحضور باهت لمنتخبين يُفترض أنهم خط الدفاع الأول عن مصالح الناخبين. الجلسة العمومية المخصصة لمناقشة تقرير المجلس الأعلى للحسابات، برسم سنتي 2024-2025، تحولت إلى محطة تسائل جدية المؤسسة التشريعية قبل أن تسائل الإدارة.
غياب واسع وتفاعل محدود
تشير المعطيات الميدانية إلى حضور محتشم لم يتجاوز 50 برلمانيا عن فرق الأغلبية، ونحو 26 نائبا عن المعارضة، في ظل غياب شبه كلي لرؤساء الفرق البرلمانية، باستثناء رئيسي فريقي الأصالة والمعاصرة والاستقلالي للوحدة والتعادلية. لم يقتصر الأمر على الغياب الكمي، بل امتد للأداء داخل القاعة. فبينما كانت خلاصات تقرير المجلس الأعلى للحسابات تُتلى وتُناقش، توضح الوقائع الميدانية انشغال عدد من النواب الحاضرين بتصفح هواتفهم المحمولة أو الانخراط في أحاديث جانبية، ما يعكس ضعفا في التفاعل مع تقرير يوثق اختلالات دقيقة في تدبير المال العام الذي يمس الحياة اليومية للمواطنين.
حضور حكومي يوازي الحضور البرلماني
من جانبها، لم تكن الحكومة أفضل حالا، حيث اقتصر تمثيلها في البداية على الناطق الرسمي مصطفى بايتاس، وكاتب الدولة المكلف بالشغل هشام الصابري، قبل أن يلتحق بهم وزير التعليم العالي عز الدين ميداوي. غياب أغلب الوزراء عن محطة رقابية بهذا الحجم يطرح علامات استفهام حول مدى التزام السلطة التنفيذية بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة والرد على الاستفسارات المتعلقة بقطاعاتها.
الرواية الرسمية وإجراءات بلا أثر
تأتي هذه الجلسة استجابة لدعوة رسمية من رئيس مجلس النواب، راشيد الطالبي العلمي، وتطبيقا للمقتضيات الدستورية التي تلزم البرلمان بالتفاعل مع التقارير الرقابية التي تقدمها زينب العدوي، الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات. ورغم أن رئاسة المجلس أقرت في وقت سابق سلسلة إجراءات للحد من ظاهرة الغياب، تشمل الاقتطاع من التعويضات المالية ونشر لوائح المتغيبين، إلا أن الوقائع توضح أن هذه التدابير لم تنجح في إعادة الدفء إلى مقاعد البرلمان، خاصة في الجلسات ذات الطابع الاستقصائي والرقابي.
أين يكمن الخلل؟
لا يبدو أن الأثر الإنساني والسياسي لغياب البرلمانيين يحظى بما يكفي من الاهتمام. فالمسألة تتجاوز مجرد كراسي فارغة لتصل إلى جوهر العمل التشريعي؛ فكيف يمكن تقييم السياسات العمومية ومراقبة تدبير مؤسسات الدولة في غياب ممثلي الأمة؟ يطرح هذا التطور أسئلة جدية حول التزام المنتخبين بتعهداتهم تجاه الفئات التي منحتهم أصواتها، والتي تنتظر حلولا ملموسة لمشاكلها المعيشية وغياب البدائل التنموية، بدلا من تجاهل المحطات الدستورية الحاسمة. إن استمرار هذه الظاهرة في الأمتار الأخيرة من عمر الولاية التشريعية الحالية يضعف من فاعلية المؤسسات، تاركا سؤالا معلقا للمرحلة المقبلة: من يحاسب من، إذا كان الرقيب نفسه يختار الغياب؟



















