معتقلو حراك الريف: حين يصبح النسيان امتدادًا للعقوبة

حسيمة سيتيمنذ 8 دقائقآخر تحديث :
معتقلو حراك الريف: حين يصبح النسيان امتدادًا للعقوبة
بقلم: نسرين سلامة

ليس أخطر ما يصيب المعتقل أن يُحكم عليه بالسجن فقط، بل أن يُحكم عليه بالنسيان. وفي حالة معتقلي حراك الريف، تبدو هذه الحقيقة أكثر قسوة ووضوحًا؛ فسنوات السجن الطويلة لم تكتفِ بعزلهم عن الشارع والبيت والعائلة، بل دفعت أيضًا بكثير من الأسماء إلى هامش الذاكرة العامة، بينما بقي اسم ناصر الزفزافي يتصدر المشهد، بوصفه الواجهة الأكثر حضورًا والأشد تعبيرًا عن لحظة الحراك. غير أن العدالة الرمزية تقتضي أن نعيد النظر في الصورة كاملة: فمن الظلم أن يُختزل حراك بحجم الريف في وجه واحد، مهما كانت رمزيته، بينما يقف خلفه رجال آخرون صنعوا من الصمت فعلًا، ومن القيد شهادة، ومن السجن امتدادًا لمعنى المقاومة.

الحراك الذي تجاوز حدود الحدث

لم يكن حراك الريف مجرد موجة احتجاجية عابرة، ولا كان انفجارًا عاطفيًا تولّد من لحظة غضب عابرة، بل كان نتيجة تراكم طويل من الإحساس بالهشاشة الاجتماعية، والتهميش التنموي، وتآكل الثقة بين المجتمع المحلي ومؤسسات التدبير العمومي. ثم جاءت لحظة محسن فكري لتفجّر ما كان مكبوتًا، وتحوّل المطالب إلى صرخة جماعية تبحث عن مستشفى، وجامعة، وطريق، وفرصة عمل، واعتراف.

في تلك اللحظة، لم يخرج الناس فقط للاحتجاج، بل خرجوا لاستعادة معنى الكرامة. وهنا بالضبط وُلدت الأسماء التي سيُكتب لها أن تدفع ثمنًا باهظًا، لأن الأنظمة لا تتسامح كثيرًا مع الاحتجاج حين يصبح منظّمًا، ذاكرةً، وله خطابٌ سياسي وأخلاقي واضح.

ناصر الزفزافي: الرمز الذي حمل أكثر مما يحتمل شخص واحد

لا يمكن فهم حراك الريف دون ناصر الزفزافي، لكن لا ينبغي أيضًا أن تُستَنفد الحكاية فيه.
ناصر ليس مجرد قائد احتجاجي، بل هو ابن بيئة حملت السياسة في دمها، والذاكرة في جيناتها، والتمرد في نبضها. خرج إلى العلن بوصفه صوتًا جهوريًا، صادمًا أحيانًا، واضحًا دائمًا، لا يجامل في تسمية الأشياء. وقد كانت قوته الأساسية في أنه لم يتحدث باسم نفسه، بل باسم جماعة شعرت أن التاريخ يمر فوقها دون أن يلتفت إليها أحد.

لقد صار الزفزافي، في المخيال العام، وجهًا لمعاناة الريف كلها: الجرأة، الغضب، والكرامة الجريحة. وحين دخل السجن، لم يتراجع حضوره، بل ازداد رمزية، لأن السجون حين تعجز عن كسر الفكرة، تمنحها أحيانًا قوة إضافية. ولعل ما يجعل حضوره أكثر دلالة أنه لم يكتفِ بالبقاء في مساحة الرمزية، بل واصل بناء نفسه معرفيًا من داخل السجن، في رسالة تقول إن القيد لا يلغي الإنسان ما دام الإنسان يصر على التشكل من جديد.

نبيل أحمجيك: التنظيم الهادئ الذي لا تصنعه الكاميرات

إذا كان ناصر هو الواجهة، فإن نبيل أحمجيك هو جزء من البنية الصلبة التي لا تظهر للعيان كثيرًا لكنها تحفظ للحركة تماسكها.
هو ليس من أولئك الذين يصنعون الضجيج، بل من الذين يصنعون الإيقاع. شاب يحمل تكوينًا في التسيير، وعاش قبل الحراك واقع البطالة الذي يطارد آلاف الشباب الريفيين، فكان انخراطه في الاحتجاج امتدادًا طبيعيًا لسيرة جيل كامل لا يجد بين الشهادة والعمل سوى هوة واسعة.

نبيل يمثل ذلك النوع من الفاعلين الذين لا يبحثون عن بطولة شخصية، بل عن معنى جماعي. ومن يقرأ سيرته داخل الحراك يكتشف بسرعة أن الثورة الاجتماعية لا تُبنى بالهتاف فقط، بل تحتاج أيضًا إلى عقول تُرتب وتُنسق وتُحوّل الانفعال إلى فعل.
ولهذا بقي أحمجيك، رغم غياب الأضواء عنه مقارنةً بالزفزافي، أحد أهم الوجوه التي لا ينبغي أن تُذكر عرضًا، لأن الحركات الكبرى غالبًا ما تصنعها الأسماء التي تعمل في الظل أكثر مما تصنعها الأسماء التي تتصدر العناوين.

محمد جلول: حين يدخل المعلم ساحة المواجهة

في محمد جلول، يتجلى وجه آخر من وجوه الحراك: وجه المعلم، والنقابي، واليساري، والفاعل الذي يملك خبرة سابقة في التنظيم والاحتجاج.
وجوده داخل الحراك لم يكن مجرد إضافة عددية، بل كان إضافة نوعية، لأن الرجل ينتمي إلى فئة تحتفظ بذاكرة نضالية وبإرث من التأطير والعمل العمومي. وحين ينزل معلم إلى الشارع، فإن المعنى يتجاوز المشاركة السياسية إلى شيء أعمق: إلى القول إن المدرسة نفسها تصرخ، وأن الدرس حين يفشل في تغيير الواقع يعود صاحبه إلى الشارع ليواجهه بوضوح أكبر.

جلول هو صورة المثقف الميداني الذي لم يقف عند حدود التنظير، بل اختبر الاحتجاج من داخله، ودفع ثمن اختياره كما دفعه غيره.
وفي حالة مثل حالته، يصبح الاعتقال أكثر من عقوبة: يصبح رسالة موجهة إلى كل من يظن أن التعليم والنقابة والوعي يمكن أن تبقى محايدة أمام الظلم الاجتماعي. ولهذا بقي اسمه، وإن بدرجة أقل من الشهرة الإعلامية، من الأسماء التي تلزم كتابتها بإنصاف كامل، لأن الرجل يمثل جزءًا من الجسر بين الوعي والممارسة.

سمير إغيد: الوجه الشعبي الذي يشبه آلاف الشباب

هناك أسماء يعرفها الناس من الصور، وأسماء يعرفونها من الأثر. وسمير إغيد ينتمي إلى الفئة الثانية أكثر من الأولى.
هو ابن الحيّ الشعبي، الشاب الذي لا يحتاج إلى خطاب طويل كي يفهم الناس موقعه؛ فحياته وحدها كافية لتقول ما ينبغي قوله.
في الحراك، مثّل سمير صورة المواطن البسيط الذي لم يدخل المعركة بحثًا عن مجد شخصي، بل لأن المعركة أصبحت معركته هو أيضًا: معركة الكرامة، والخروج من التهميش، ورفض أن تُدار حياة الناس من فوق دون أن يُسألوا عن رأيهم.

ما يجعل سمير مهمًا في السردية هو أنه يعيد التوازن إلى الصورة. فالحركات الاجتماعية لا تُختزل في الزعماء وحدهم، بل تتجسد أيضًا في الأشخاص الذين لا يمنحهم الإعلام ما يستحقونه من حضور، رغم أنهم هم من يشكلون الكتلة الحية للحراك.
ومن هنا، فإن الحديث عنه ليس مجرد تفصيل؛ بل هو تصحيح لصورة عامة اختزلت الفعل الجماعي في الواجهة ونسيت القاعدة.

محمد الحاكي: حين يصبح الجسد آخر منبر

محمد الحاكي من أكثر الأسماء التي تكثف مأساة الاعتقال السياسي والاجتماعي، لأنه يمثل تلك المرحلة التي يتراجع فيها الكلام ويصعد فيها الجسد إلى واجهة الاحتجاج.
حين ضاقت السبل، لم يبق أمامه سوى أن يجعل من جسده منبرًا، ومن الصمت موقفًا، ومن الألم لغةً. وهذه هي أقسى مراحل السجن: حين لا يعود الاحتجاج مجرد موقف سياسي، بل تحوّلًا وجوديًا كاملًا.

الحاكي ليس فقط معتقلًا، بل شاهد على كيف يمكن للسلطة أن تدفع بالإنسان من فضاء الشارع إلى فضاء الجسد المنهك، ثم تتركه يصرخ بلا صوت.
ومع ذلك، فإن هذا النوع من الاحتجاج هو، paradoxically، أكثر ما يكشف عن قوة أصحاب الحق؛ فالجسد الذي يتعب لكنه لا يستسلم، يظل شاهدًا على أن الفكرة لم تمت، وأن الحرية قد تُسجن لكنها لا تُمحى.

زكرياء أضهشور: العامل الذي حُمّل أثقال اللحظة

زكرياء أضهشور هو الوجه الاجتماعي الأكثر صلابة في هذه المجموعة، لأنه يذكّرنا بأن الحراك لم يصنعه فقط ناشطون سياسيون أو وجوه ذات حضور خطابي، بل صنعه أيضًا أبناء الفئات الكادحة الذين يعرفون معنى العرق اليومي ومعنى الهشاشة الاقتصادية.
عامل البناء الذي وجد نفسه في قلب ملف ثقيل ليس مجرد تفصيل في الحكاية، بل هو أحد مفاتيح فهمها.
فحين يتحول العامل البسيط إلى متهم في قضية كبرى، فإن ذلك يعكس حجم التشابك بين الاجتماعي والسياسي، ويجعل الاعتقال نفسه جزءًا من سردية أوسع عن الفئات التي تُقصى مرتين: مرة في الحياة، ومرة في الخطاب العام.

زكرياء يختصر مأساتين: مأساة الشاب العامل الذي يكافح من أجل العيش، ومأساة المواطن الذي يُحاسَب على انحيازه للعدالة الاجتماعية كما لو كان ارتكب جرمًا. ولهذا فإن حضوره في أي قراءة جادة للحراك لا يجب أن يكون ثانويًا أبدًا.

لماذا غاب هؤلاء عن السرد العام؟

السؤال هنا ليس فقط: من هم هؤلاء؟ بل أيضًا: لماذا لم يأخذوا حقهم من الحديث؟
الجواب يرتبط بمنطق صناعة الرموز في المجال العمومي. فالإعلام، بطبيعته، يميل إلى الواجهة الأكثر قدرة على إنتاج المشهد، بينما تضيع التفاصيل التي تصنع المشهد من الداخل. وهكذا يصبح القائد الأكثر بلاغة هو الاسم الأول، بينما يُهمَّش من كان ينظم، ويؤطر، ويصبر، ويصنع من الحراك بنيته العميقة.

لكن الريف، كذاكرة ومجتمع، لا يحتمل هذا الاختزال.
فالعدالة هنا ليست قانونية فقط، بل سردية أيضًا: أي أن يُروى ما حدث كما حدث، وأن تُسمع أصوات الجميع، وأن لا يُختزل تاريخ جماعي في اسم واحد مهما كان رمزيًا.

خاتمة: من الإنصاف أن نكتب الأسماء كلها

إن إنصاف معتقلي حراك الريف لا يمر فقط عبر المطالبة بحريتهم، بل أيضًا عبر استعادة أسمائهم من النسيان، وإعادتها إلى سياقها الإنساني والاجتماعي والثقافي.
فكل واحد منهم ليس ملفًا قضائيًا، بل حياة كاملة توقفت عند نقطة ما.
وإذا كان ناصر الزفزافي قد حمل الجزء الأكبر من الضوء، فإن رفاقه حملوا أيضًا جزءًا من الحلم، وجزءًا من الثمن، وجزءًا من المعنى.

وهنا، تصبح الكتابة فعلًا أخلاقيًا قبل أن تكون مهنية.
فالمطلوب ليس فقط أن نخبر القراء بأن هؤلاء معتقلون، بل أن نذكّرهم بأنهم بشر، لهم وجوه، وأسماء، ومسارات، وأحلام، وأنهم كانوا — وما زالوا في ذاكرة الريف — جزءًا من محاولة جماعية لاستعادة الكرامة من بين أنياب التهميش.

هذا هو المعنى الأعمق الذي ينبغي أن يرافق أي كتابة عن حراك الريف:
أن الظلم لا يصنع فقط بالمحاكم، بل أيضًا بالنسيان.
وأن العدالة لا تبدأ من الحكم القضائي وحده، بل من الاعتراف الكامل بالناس الذين دفعوا الثمن.

المصدر متابعات
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق