في قلب الجبال والمداشر البعيدة، حيث يقطع الطفل كيلومترات للوصول إلى حجرة دراسية، يصطدم بواقع أكثر قسوة من وعورة الطريق؛ مدرسة بلا ماء، بلا مراحيض، وأحياناً بلا أسوار تحميه. هذا المشهد الإنساني المتكرر لم يعد مجرد شكاوى عابرة، بل بات حقيقة رقمية صادمة وثقها قضاة المجلس الأعلى للحسابات في تقريرهم السنوي الأخير.
تشخيص رسمي للتعثر: البنية التحتية كعائق للتعلم
أكد التقرير المنشور بالجريدة الرسمية أن هشاشة البنية التحتية بالمؤسسات التعليمية لم تعد مجرد تفصيل تقني، بل تحولت إلى عائق حقيقي يرهن جودة التعلم. وأوضح قضاة المجلس أن غياب البيئة المدرسية الملائمة يؤثر بشكل مباشر على مردودية المدرسين وحافزية التلاميذ، مما يعمق الفجوة بين من يدرس في ظروف لائقة ومن يواجه غياب الضروريات. ورصد التقرير تفاوتاً شاسعاً بين المناطق الحضرية والقروية، حيث بلغ الفارق في جودة البنية التحتية بالتعليم الابتدائي نحو 41 نقطة خلال سنة 2022. وتعتبر المدارس الابتدائية، وتحديداً المدارس الفرعية في القرى، هي الحلقة الأضعف في المنظومة التربوية المغربية.
أرقام تكشف المستور: 99% من المدارس الفرعية دون صرف صحي
بلغة الأرقام، كشف التقرير عن اختلالات بنيوية عميقة؛ إذ أن 99 في المائة من المدارس الفرعية بالعالم القروي تعاني من ضعف أو انعدام الربط بشبكات الصرف الصحي. ولا تتوقف المعاناة عند هذا الحد، بل تمتد لتشمل:
أبرز الخصاص في المؤسسات القروية:
- 68 في المائة من المدارس تفتقر للربط بالماء الصالح للشرب.
- 45 في المائة من المؤسسات لا تتوفر على أسوار واقية ملائمة.
- 38 في المائة من المدارس تواجه مشاكل حادة في المرافق الصحية.
وفي مقارنة صادمة، تبلغ نسبة التغطية بالماء في مدارس المدن 97 في المائة مقابل استمرار العطش في عشرات المؤسسات القروية، كما تصل نسبة الربط بالصرف الصحي في الحواضر إلى 80 في المائة مقابل 8 في المائة فقط في الوسط القروي.
أزمة المدارس الجماعاتية والعدالة المجالية
نبه التقرير إلى أن مشروع “المدارس الجماعاتية”، الذي كان يعول عليه كحل بديل، لم يحقق الأهداف المرجوة حتى الآن؛ حيث لم تستقطب هذه المدارس سوى 3 في المائة من تلاميذ الابتدائي القروي في 2022. وتعكس هذه الأرقام تفضيل الأسر للمدارس الفرعية القريبة رغم هشاشتها، مما يضع الوزارة الوصية أمام تحدي الموازنة بين تقريب المدرسة وتوفير الجودة. تظل هذه الاختلالات، بحسب المجلس الأعلى للحسابات، مرآة لهشاشة البنية التحتية في القرى ذاتها، مما يستوجب تدخلاً مشتركاً بين مختلف القطاعات الحكومية لضمان حق الطفل القروي في تمدرس يحترم كرامته. ختاماً، يبقى السؤال الذي يطرحه هذا التقرير: هل يمكن الحديث عن إصلاح للمنظومة التعليمية وبرامج للتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، في وقت ما يزال فيه آلاف التلاميذ والأساتذة يفتقرون لأبسط شروط الحياة الكريمة داخل أسوار المدرسة؟



















