حين يصبح أكبر ملعب بديلا عن أكبر مدرسة: المغرب بين منطق الاستعراض ومنطق المستقبل

حسيمة سيتيمنذ 25 دقيقةآخر تحديث :
حين يصبح أكبر ملعب بديلا عن أكبر مدرسة: المغرب بين منطق الاستعراض ومنطق المستقبل
أنوار الإدريسي

حذر تقرير حديث لصندوق النقد الدولي من المخاطر المالية المرتبطة بتسريع الاستثمار العمومي في البنيات التحتية بالمغرب بين 2024 و2030، وهي استثمارات مرتبطة، في جزء مهم منها، بالاستعدادات لكأس العالم 2030. ويقدر التقرير حجم هذا البرنامج بما يقارب 12% من الناتج الداخلي الخام لسنة 2024، مع التنبيه إلى أن تجاوز كلفة المشاريع بنسبة 30% قد يرفع الدين العمومي بحوالي 3 نقاط من الناتج الداخلي الخام دون أن يولد نموا اقتصاديا إضافيا موازيا.

كل دولة ذات ميزانية محدودة حين تختار توجيه جزء ضخم من مواردها نحو مشاريع موسمية واستعراضية، فإنها تفعل ذلك على حساب قطاعات أخرى أكثر عمقا واستدامة، مثل التعليم، البحث العلمي، التكنولوجيا، الرقمنة، والذكاء الاصطناعي.

المغرب اليوم يوجه استثمارات ضخمة نحو بنية تحتية مرتبطة بأفق 2030: ملاعب، تجهيزات حضرية، ومشاريع ذات طابع احتفالي أو ظرفي. في المقابل، يعيش العالم تحولا متسارعا نحو اقتصاد المعرفة، حيث لم تعد المنافسة بين الدول تقاس فقط بحجم الملاعب أو الطرق، بل بجودة المدرسة، قوة الجامعة، عدد المهندسين، مستوى المختبرات، امتلاك البيانات، والقدرة على إنتاج الذكاء الاصطناعي لا استهلاكه فقط.

إذا استمر المغرب في إعطاء الأولوية لمنطق الواجهة على حساب منطق المستقبل، فقد يصل إلى سنة 2030 وهو يملك ملاعب كبرى وبنيات جميلة، لكنه يكون قد أضاع سنوات حاسمة في سباق عالمي لا ينتظر أحدا.

المشكل الحقيقي إذن ليس في تنظيم المونديال في حد ذاته، ولا في تطوير البنية التحتية باعتبارها ضرورة لأي بلد يريد التقدم. المشكل يكمن في نوع البنية التحتية التي نختارها، وفي السؤال السياسي العميق: هل نبني بلدا قادرا على المنافسة بعد 2030، أم نبني واجهة جميلة لاستقبال العالم لبضعة أسابيع؟

العالم لا يتحرك اليوم بسرعة خطية، بل بسرعة شبه لوغاريتمية. ما كان يتغير في عشر سنوات، أصبح يتغير في سنة أو في أشهر. الذكاء الاصطناعي يعيد ترتيب الاقتصاد، سوق العمل، التعليم، الصناعة، الإعلام، الطب، الأمن، والبحث العلمي. والدول التي تتأخر عن هذا التحول لا تبقى فقط في مكانها، بل تتراجع. فالتأخر في زمن التحولات البطيئة كان يعني فقدان بعض الفرص؛ أما التأخر اليوم فيعني الخروج من التاريخ التكنولوجي.

سيقول قائل: يمكن للمغرب أن يستثمر في الجانبين، في المونديال وفي العلم والتكنولوجيا. هذا الكلام جميل نظريا، لكنه يصطدم بحقيقة بسيطة: الميزانية ليست بلا حدود. كل درهم يصرف في مدرجات كرة القدم هو درهم لا يذهب إلى مقعد في مدرسة، أو حاسوب في مختبر، أو منحة لطالب باحث، أو منصة رقمية، أو برنامج وطني لتكوين الأطفال في البرمجة والذكاء الاصطناعي.

ليست المشكلة في الملعب، بل في ترتيب الأولويات. حين تكون المدرسة العمومية تعاني، والجامعة تبحث عن التمويل، والبحث العلمي يعيش على الهامش، والمختبرات تفتقر إلى التجهيزات، يصبح الاستثمار الضخم في البنية الاستعراضية سؤالا أخلاقيا قبل أن يكون سؤالا اقتصاديا. أي معنى أن نملك أكبر ملعب، بينما لا نملك مدرسة قادرة على صناعة أكبر عقل؟

الأمم لا تصعد بالمناسبات، بل بالمؤسسات. لا تصعد بالمدرجات، بل بالعقول التي تملأ الجامعات والمختبرات. لا تصعد بصورة مؤقتة أمام الكاميرات، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة بعد انطفاء الأضواء وانتهاء المباريات وعودة الجماهير إلى بلدانها.

لذلك، فالسؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس: هل سيكون المغرب جاهزا لمونديال 2030؟ بل السؤال الأعمق هو: هل سيكون المغرب جاهزا للعالم بعد 2030؟

لأن الخطر ليس أن ننظم المونديال بكلفة مرتفعة فقط. الخطر الأكبر أن نربح صورة مؤقتة ونخسر زمنا تاريخيا. أن نمتلك أكبر ملعب في العالم، بينما العالم من حولنا يكون قد أعاد صياغة نفسه بالذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا، والعلم، والتعليم.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق