المثلث الحارق في الريف: كواليس الصراع الانتخابي ومناورات اللحظات الأخيرة بإقليم الحسيمة

حسيمة سيتيمنذ 10 دقائقآخر تحديث :
المثلث الحارق في الريف: كواليس الصراع الانتخابي ومناورات اللحظات الأخيرة بإقليم الحسيمة
بقلم: رشيد البراني

المشهد السياسي بالحسيمة: عودة الصراعات القديمة إلى الواجهة

يقول الفيلسوف الإيطالي نيكولو مكيافيلي: «في السياسة ليس هناك عدو دائم ولا صديق دائم، بل توجد مصالح دائمة». تتجسد هذه المقولة بوضوح في المشهد الانتخابي الراهن بإقليم الحسيمة، حيث تحولت الساحة الحزبية إلى نقطة تقاطع ساخنة لصراعات نفوذ تتجاوز البرامج التنموية لتصل إلى تصفية حسابات سياسية متراكمة بين أقطاب تصدرت المشهد المحلي والوطني لسنوات.

تتجه الأنظار نحو دائرة الحسيمة في سياق تشريعي دقيق، إذ تعود إلى الواجهة أسماء وازنة صنعت قرارات المحطة السابقة: نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، والدكتور محمد بودرا، الرئيس الأسبق لبلدية الحسيمة ولجهة تازة-الحسيمة-تاونات، ومحمد الحموتي، القيادي البارز بحزب الأصالة والمعاصرة. هذا المثلث يرسم اليوم ملامح سباق محتدم تحت مجهر الرأي العام المحلي.

ظلال الماضي ومخلفات المشاريع المتعثرة

لا يمكن قراءة المشهد الحالي بمعزل عن التراكمات التاريخية التي طبعت الإقليم خلال العقد الأخير. فالمواجهة بين بنعبد الله وبودرا عرفت ذروتها في سياق التجاذبات التي رافقت تقييم البرامج التنموية في المنطقة، حين تبادل الطرفان المسؤوليات بين عجز التدبير الترابي المحلي وقصور الرؤية الحكومية المركزية بالرباط.

وفي خضم ذلك السجال، عمل محمد الحموتي على تعزيز موقعه التنظيمي كفاعل رئيسي داخل حزب الأصالة والمعاصرة، مستثمراً شبكة علاقاته ومواقعه لترتيب البيت الداخلي وإعادة توجيه بوصلة التحالفات، مما أفضى تدريجياً إلى تراجع الحضور التنفيذي لخصومه داخل التنظيم ذاته.

كواليس الترشيحات وأوراق الضغط البديلة

لم تتوقف المناورات السياسية عند حدود التموقعات التقليدية، بل كشفت كواليس الإعداد الانتخابي عن محاولات للدفع بوجوه جديدة قادمة من عالم المال والأعمال والاستثمار الدولي، كان من أبرزها تداول اسم شخصية نسائية بارزة ذات حضور استثماري بالخارج، في محاولة لإعادة صياغة التوازنات الانتخابية بالإقليم وتقديم بدائل غير تقليدية تستقطب الكتلة الناخبة المترددة.

غير أن تعقيدات الميدان وحسابات الأعيان والامتدادات القبلية فرضت في نهاية المطاف العودة إلى المعادلات الكلاسيكية؛ إذ أسفرت الترتيبات الحزبية عن مغادرة بودرا لحزب الأصالة والمعاصرة بعد حسم التزكية لصالح الحموتي، ليتجه بودرا مباشرة نحو قيادة لائحة حزب التقدم والاشتراكية، طاوياً بذلك صفحة الخلافات السابقة مع قيادة الحزب في تحالف أملته ضرورات المعركة الانتخابية.

بين حسابات النخب وتطلعات الشارع الريفي

ينقسم المشهد التنافسي اليوم بين معسكر يعتمد على القوة التنظيمية والانتشار الجماعي وضبط مفاصل المجالس المنتخبة، ومعسكر يراهن على الرصيد الرمزي والحضور الشخصي لمواجهة خصومه. غير أن التحدي الجوهري يكمن في نظرة الشارع المحلي والنخب المدنية الشابة لهذه التحولات؛ إذ تسود حالة من الترقب والحذر إزاء إعادة تدوير نفس الخطابات والمواجهات الشخصية دون تقديم أجوبة حقيقية لمعضلات التشغيل والعدالة المجالية وتنشيط الدورة الاقتصادية الراكدة.

أسئلة المسؤولية وأفق التغيير

إن الرهان الحقيقي في استحقاقات الحسيمة لا يرتبط بمجرد الفوز بمقعد نيابي أو إزاحة خصم سياسي، بل بمدى قدرة الفاعلين على تجاوز منطق الصراعات الضيقة نحو بلورة نموذج تنموي يرتقي بكرامة المواطن ويستجيب لانتظارات ساكنة الريف. فهل تفرز صناديق الاقتراع تحولاً نوعياً في بنية التمثيل السياسي، أم أننا أمام مشهد مكرر يعيد إنتاج التوازنات ذاتها بأقنعة مختلفة؟

المصدر متابعات
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق