صمت بوريطة بعد أزمة سبتة: خطأ تقدير أم استعداد لدفع الفاتورة السياسية؟

حسيمة سيتيمنذ ساعتينآخر تحديث :
صمت بوريطة بعد أزمة سبتة: خطأ تقدير أم استعداد لدفع الفاتورة السياسية؟
بقلم: رشيد البراني

منذ أن تحوّلت أزمة العبور الجماعي إلى سبتة، أواخر يوليوز 2026، إلى واحدة من أخطر الأزمات الحدودية التي عرفتها العلاقات المغربية الإسبانية، لاحظ متتبعون للشأن الدبلوماسي غيابًا لافتًا لوزير الخارجية ناصر بوريطة عن أي تصريح رسمي أو موقف علني يوضح قراءة الرباط الدبلوماسية لما جرى. هذا الصمت، الذي استمر لأسابيع بينما تصاعدت الأزمة الإنسانية والسياسية، بات يُقرأ من طرف مراقبين على أنه أحد أبرز الأخطاء في تدبير ملف حساس، وربما مؤشرًا على أن الوزير نفسه بدأ يتحول إلى نقطة ضعف في معادلة العلاقات الثنائية بدل أن يكون أداة لحلها.

أزمة تفوق حجم أي تصريح دبلوماسي عابر

الوقائع على الأرض توضح حجم الأزمة التي واجهت المغرب وإسبانيا معًا. فبين 30 و31 يوليوز 2026، عبر أكثر من 72 ألف شخص من الأراضي المغربية نحو سبتة سباحة وسيرًا على الأقدام، في أكبر تدفق تشهده المدينة منذ أزمة 2021. أسفرت هذه الموجة عن حصيلة مأساوية بلغت 82 وفاة رسميًا بحسب السلطات الإسبانية، فيما تشير منظمات حقوقية إلى أرقام أعلى قد تصل إلى 88 ضحية.

بعد شهر كامل من الأزمة، لا يزال التوتر قائمًا: نحو 5 آلاف مهاجر ما زالوا عالقين في المدينة، وسط احتجاجات شبه يومية وحوادث عنف واعتداءات على مخيمات المهاجرين، بحسب تقرير لهيئة البي بي سي بتاريخ 2 شتنبر 2026. هذا السياق المتفجر كان يفترض أن يستدعي حضورًا دبلوماسيًا مغربيًا واضحًا وسريعًا، لا صمتًا يمتد لأسابيع.

من تحدث؟ ومن غاب؟

اللافت في تدبير هذه الأزمة هو أن التصريح الرسمي المغربي الوحيد صدر عن وزارة الداخلية، لا عن الخارجية. فقد خرجت الداخلية المغربية، في بيان يوم الأحد 2 غشت 2026، لتؤكد أن عمليات العبور الجماعي كانت “مدفوعة بمعلومات مضللة في منصات التواصل الاجتماعي وشبكات الاتجار بالبشر”، معلنة عن حصيلة 11 قتيلاً من جانبها، وهو رقم يتناقض بشكل صارخ مع الأرقام الإسبانية الأعلى بكثير.

في المقابل، ظل وزير الخارجية ناصر بوريطة غائبًا تمامًا عن أي تصريح علني يوضح الموقف الدبلوماسي المغربي تجاه هذه الأزمة، التي تمس مباشرة صورة المغرب الدولية وعلاقته الاستراتيجية بإسبانيا وبالاتحاد الأوروبي ككل، خاصة بعد أن علّقت إيطاليا مؤقتًا اتفاقية شنغن مع إسبانيا ووصفت رئيسة وزرائها المشاهد في سبتة بـ”الصادمة”.

الصحافة الإسبانية تكشف: “الوزراء الذين يعرفون يصمتون”

الأخطر من غياب بوريطة عن التصريح هو أن الصحافة الإسبانية نفسها بدأت تلتفت إلى هذا الصمت وتحلله سياسيًا. فقد نشرت صحيفة “إل كونفيدنسيال” الإسبانية، في 31 غشت 2026، تحليلاً صريحًا جاء فيه أن “الوزراء الذين يعرفون ما جرى في المغرب — ناصر بوريطة، وزير الخارجية، وعبد الوفي لفتيت، وزير الداخلية — يحافظون على الصمت”.

الصحيفة نفسها ذهبت أبعد من ذلك، معتبرة أن الرباط تعمدت “إحياء الخطاب القومي” حول المدن المتنازع عليها (سبتة ومليلية) والصحراء، واستهداف أحزاب سياسية إسبانية يمينية وقوات أمنية إسبانية، في محاولة لصرف الانتباه عن “الكارثة السبتية” التي وقعت أساسًا على الأراضي المغربية.

هذا التحليل، الصادر من مصدر إعلامي إسباني موثوق ومتابع للملف عن قرب، يمنح فرضية “الصمت الاستراتيجي المتعمد” لبوريطة وزنًا إعلاميًا حقيقيًا يتجاوز حدود التأويل السياسي الداخلي المغربي.

لماذا يُحسب الصمت هنا كخطأ في التقدير؟

من منظور دبلوماسي بحت، فإن صمت وزير الخارجية في أزمة بهذا الحجم يحمل ثلاث مخاطر جوهرية لا يمكن تجاهلها:

أولاً، ترك الفضاء الإعلامي والدبلوماسي مفتوحًا بالكامل للرواية الإسبانية والأوروبية، التي تحدثت عن أرقام ضحايا أعلى، وعن مسؤولية مغربية محتملة في تسهيل أو التستر على تنظيم العبور، دون أي رد دبلوماسي مغربي مباشر يوازن الرواية أو يوضح موقف الرباط الرسمي بلغة الخارجية لا الداخلية.

ثانيًا، إحالة الملف بالكامل إلى وزارة الداخلية يعكس تعاملًا أمنيًا صرفًا مع أزمة تحمل بعدًا دبلوماسيًا واضحًا يمس صورة المغرب أمام الاتحاد الأوروبي وأمام شركائه الدوليين، في وقت كانت تحتاج الأزمة إلى تدخل مزدوج: أمني من جهة، ودبلوماسي واضح من جهة أخرى يوضح للرأي العام الأوروبي والمغربي موقف الرباط ورؤيتها لتداعيات الأزمة على العلاقات الثنائية.

ثالثًا، وهو الأخطر، أن الصمت الطويل يفتح الباب لتفسيرات سياسية تُحمّل وزير الخارجية شخصيًا مسؤولية سوء تقدير الموقف، خصوصًا أن منصبه بالتحديد هو المسؤول عن قراءة تداعيات الأزمة على مسار العلاقات مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي، لا عن الشق الأمني الداخلي.

هل يتحول بوريطة إلى كبش فداء لتطبيع العلاقات؟

من واقع قراءة المسار الدبلوماسي، فإن العلاقات المغربية الإسبانية عرفت تاريخيًا أزمات حادة انتهت غالبًا بتضحية رمزية أو تدبيرية لإعادة ضبط العلاقة بين الرباط ومدريد. والسيناريو الذي يتحدث عنه محللون اليوم هو أن استمرار صمت بوريطة، وتفاقم الانتقادات الإسبانية والأوروبية بشأن غياب موقف مغربي رسمي واضح، قد يجعل من وزير الخارجية “الحلقة الأضعف” التي يمكن التضحية بها سياسيًا لإرضاء الشريك الإسباني وإعادة العلاقات إلى مسارها الطبيعي قبل أحداث سبتة.

هذا التحليل لا يعني بالضرورة تنبؤًا حتميًا، بل يعكس منطقًا سياسيًا معروفًا في إدارة الأزمات الدبلوماسية: حين تتراكم الأخطاء في التواصل والتقدير، ويصبح استمرار شخص معين في منصبه عائقًا أمام تطبيع العلاقة مع شريك استراتيجي، يتحول ذلك الشخص تلقائيًا إلى “الحل السهل” لإرضاء الطرفين دون الحاجة إلى مراجعة السياسات نفسها.

ما الذي كان يجب أن يحدث؟

من واقع خبرة الأزمات الدبلوماسية المماثلة في المنطقة، هناك قواعد أساسية للتدبير الأزماتي الفعال كان غيابها هنا لافتًا:

  • الحضور الإعلامي السريع للوزير المعني بالملف الدبلوماسي خلال أول 48 ساعة من الأزمة، لضبط السردية الرسمية قبل أن تتشكل روايات موازية.
  • التنسيق الواضح بين وزارتي الداخلية والخارجية بحيث يتحدث كل طرف في حدود صلاحياته دون ترك فراغ دبلوماسي.
  • المتابعة الدورية للتصريحات الأوروبية والإسبانية والرد عليها بلغة دبلوماسية متزنة، بدل ترك الملف “يتنفس” إعلاميًا في اتجاه واحد لأسابيع.
  • تفادي الظهور بمظهر من “يعرف ولا يتكلم”، لأن هذا الانطباع، كما أظهرته الصحافة الإسبانية نفسها، يفتح الباب لتأويلات تشكك في شفافية التعامل مع الملف.

الخلاصة: الصمت له ثمن سياسي

في السياسة الدبلوماسية، الصمت ليس خيارًا حياديًا، بل قرارًا له تكلفته. وما تكشفه المعطيات المتوفرة اليوم هو أن غياب ناصر بوريطة عن الواجهة خلال أخطر أزمة حدودية تعيشها العلاقات المغربية الإسبانية منذ سنوات، لم يمر دون تسجيل وملاحظة، سواء من الصحافة الإسبانية التي وثّقت هذا الصمت صراحةً، أو من المتتبعين المغاربة الذين يرون فيه إشارة إلى سوء تقدير حقيقي لحجم الأزمة وتداعياتها.

وسواء تحول هذا الصمت إلى ثمن سياسي يدفعه الوزير بمنصبه، أو ظل مجرد خيار تكتيكي مؤقت، فإن الثابت أن الرأي العام، المغربي والإسباني على حد سواء، يطرح اليوم سؤالاً مشروعًا: كيف يمكن لوزير خارجية أن يبقى صامتًا أمام أزمة راح ضحيتها عشرات الأشخاص، وأثرت مباشرة على مستقبل العلاقة الاستراتيجية بين بلدين جارين؟

المصدر متابعات - حسيمة سيتي
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق