تدخل دائرة الحسيمة غمار الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026 وسط منافسة انتخابية تبدو أكثر تعقيداً من مجرد سباق بين لوائح حزبية. فقد أفرزت آخر المعطيات المتوفرة حتى نهاية غشت 2026 عن دخول 14 مرشحاً رسمياً إلى حلبة التنافس على المقاعد الأربعة المخصصة للإقليم بمجلس النواب، وهو عدد يعكس حجم الاحتدام غير المسبوق الذي تشهده الدائرة هذه المرة.
المواجهة المرتقبة تختزل صراعاً على النفوذ المحلي، وتكشف في الوقت نفسه عن محاولة عدد من الأحزاب الحفاظ على مواقعها، مقابل رهانات أخرى لإعادة ترتيب موازين القوى وفتح ثغرات في خريطة انتخابية ظلت لسنوات محكومة بأسماء وازنة وشبكات تعبئة راسخة.
الجدول الزمني الرسمي للانتخابات التشريعية 2026
قبل الغوص في تفاصيل السباق المحلي، من المفيد التذكير بالمحطات الرسمية التي حددتها وزارة الداخلية لهذا الاستحقاق الوطني، والذي يشمل 395 مقعداً موزعة عبر 27 حزباً مشاركاً على المستوى الوطني:
| المرحلة | التاريخ | المضمون |
|---|---|---|
| مراجعة اللوائح الانتخابية | 15 ماي – 10 يوليوز 2026 | تسجيل الناخبين وتحيين معطياتهم |
| نشر اللوائح النهائية | 10 يوليوز 2026 | نشر القائمة الرسمية للناخبين |
| إيداع الترشيحات | 31 غشت – 8 شتنبر 2026 | عبر المنصة الإلكترونية الرسمية |
| الحملة الانتخابية | 10 – 22 شتنبر 2026 | من الساعة الأولى ليلاً حتى منتصف ليلة 22 شتنبر |
| يوم الاقتراع | 23 شتنبر 2026 | التصويت على المستوى الوطني |
هذا الإطار الزمني الدقيق يفسر لماذا تسارعت وتيرة الإعلان عن المرشحين خلال شهري يوليوز وغشت 2026، مع اقتراب الموعد الحاسم لإيداع الترشيحات في 8 شتنبر.
خريطة 2021 وتداعياتها التشريعية: من الفوز إلى الإلغاء
تشكل نتائج انتخابات 8 شتنبر 2021 نقطة الانطلاق الأساسية لفهم طبيعة الصراع الحالي، رغم ما عرفته من تطورات قانونية لاحقة. فقد تصدر حزب الاستقلال النتائج بواسطة نور الدين مضيان، الذي حصل على أكثر من 22 ألف صوت، فيما حل بوطاهر البوطاهري، مرشح التجمع الوطني للأحرار، ثانياً بأزيد من 19 ألف صوت. أما المقعدان المتبقيان، فآلا إلى حزب الأصالة والمعاصرة بواسطة محمد الحموتي، وإلى حزب الحركة الشعبية بواسطة محمد الأعرج، بعدما حصل كل منهما على أكثر من 14 ألف صوت.
في المقابل، جاء الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في المرتبة الخامسة، متبوعاً بعدد من الأحزاب التي لم تتمكن من الوصول إلى العتبة الفعلية للمنافسة. غير أن هذه الخريطة تعرضت لهزّة تنظيمية إثر قرار المحكمة الدستورية في ماي 2022 القاضي بإلغاء نتائج تلك الانتخابات وإسقاط المقاعد الأربعة، وهو ما فرض تنظيم انتخابات جزئية في يوليوز من السنة ذاتها أسفرت عن فوز عبد الحق أمغار بمقعد البرلمان عن حزب الاتحاد الاشتراكي، ليُعيد تثبيت موقعه كأحد أبرز أقطاب المشهد المحلي.
أثر تغيير القاسم الانتخابي منذ 2016
هذه المحطات لم تكن معزولة عن التحولات التي عرفتها الدائرة خلال انتخابات 2016، بل عكست بشكل واضح أثر تغيير طريقة احتساب القاسم الانتخابي على توزيع المقاعد. ففي اقتراع 7 أكتوبر 2016، تمكن حزب الأصالة والمعاصرة من الظفر بمقعدين عبر محمد الحموتي، بأكثر من 40 ألف صوت، فيما فاز محمد الأعرج عن الحركة الشعبية ونور الدين مضيان عن حزب الاستقلال بالمقعدين الآخرين.
وبين الاستحقاقين، تغيرت المعادلة بشكل لافت: فقد خسر حزب الأصالة والمعاصرة أحد مقعديه، بينما تمكن التجمع الوطني للأحرار من دخول تركيبة المقاعد الأربعة، في وقت حافظ فيه حزب الاستقلال على موقعه ورفع رصيده من الأصوات بشكل كبير.
أسماء قديمة في مواجهة رهانات جديدة
المعركة الانتخابية لسنة 2026 تحمل عنواناً بارزاً: هل تستطيع الوجوه ذات الخبرة الانتخابية الحفاظ على مواقعها، أم أن الناخب الحسيمي يتجه إلى منح فرصة لوجوه جديدة؟
حزب الأصالة والمعاصرة اختار إعادة محمد الحموتي إلى واجهة المنافسة، فيما جدد حزب الحركة الشعبية ثقته في محمد الأعرج. أما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فيراهن مجدداً على البرلماني عبد الحق أمغار، الذي يقود لائحته بالدائرة مستنداً إلى دينامية الانتخابات الجزئية السابقة.
ويعكس هذا الاختيار استراتيجية واضحة لدى هذه الأحزاب تقوم على استثمار الرصيد الانتخابي والخبرة الميدانية وشبكات التواصل المحلية التي راكمتها هذه الأسماء خلال سنوات من الحضور السياسي والانتخابي. غير أن الاحتفاظ بالوجوه نفسها لا يعني بالضرورة الاحتفاظ بالمقاعد نفسها، خصوصاً في ظل دخول منافسين جدد إلى السباق ومحاولات إعادة توزيع الأصوات داخل الدائرة.
مفاجأة الاستقلال: غياب مضيان يعيد خلط الأوراق
من أبرز المتغيرات التي تميز هذه الدورة الانتخابية، والتي تكشف عنها المصادر الأحدث، قرار نور الدين مضيان عدم الترشح باسم حزب الاستقلال هذه المرة، بعد حضور انتخابي وبرلماني طويل ميّز الدائرة لسنوات. هذا الغياب يضع حزب “الميزان” أمام اختبار حقيقي للحفاظ على موقعه داخل دائرة ظل فيها أحد أبرز الفاعلين المحليين.
عوضاً عن مضيان، اتجه حزب الاستقلال إلى تزكية محمد الحموداني، رئيس جماعة مولاي أحمد الشريف، وكيلاً للائحته، في محاولة لتعويض هذا الغياب اللافت والاستمرار في المنافسة على أحد المقاعد الأربعة. هذا التحول يطرح سؤالاً محورياً: هل يستطيع الحموداني، بحضوره المحلي كرئيس جماعة، أن ينقل الرصيد الانتخابي الذي راكمه مضيان طوال ولايتين متتاليتين؟
بالموازاة، اختار التجمع الوطني للأحرار كريم البوطاهري لقيادة لائحته، خلفاً لبوطاهر البوطاهري. ويطرح هذا التغيير سؤالاً أساسياً حول قدرة التنظيمين على نقل الرصيد الانتخابي من الأسماء السابقة إلى المرشحين الجدد، خصوصاً أن الانتخابات المحلية لا تحسمها قوة العلامة الحزبية وحدها، بل تلعب فيها شخصية المرشح وحضوره الميداني وقدرته على بناء شبكة دعم محلية دوراً حاسماً.
حنان المعروفي.. رهان التجديد والبحث عن اختراق انتخابي
تُشكل حنان المعروفي، التي اختارها حزب العدالة والتنمية لقيادة لائحته بدائرة الحسيمة، أحد أبرز وجوه التجديد في هذا الاستحقاق؛ إذ يأتي هذا الترشيح في سياق سعي “المصباح” إلى طي صفحة النتائج المتأخرة التي حصدها بالدائرة خلال استحقاقات 2021 وإعادة بناء حضوره التنظيمي والمحلي.
ولا تفصل قراءة حظوظ المعروفي عن طبيعة المعادلة الانتخابية المعقدة في الإقليم؛ فمن جهة، تراهن على ورقة التجديد السياسي، وتقديم عرض مختلف يستهدف الكتلة الناخبة الصامتة والمترددة، فضلاً عن استقطاب الفئات الباحثة عن قطيعة مع أساليب العمل التقليدي. ومن جهة أخرى، تصطدم هذه الطموحات بتحديات ميدانية جسيمة، لكونها تواجه آلات انتخابية ضخمة وشبكات نفوذ راسخة تديرها أسماء تمتلك خبرة ومراس طويلين في دواليب التنافس المحلي بالحسيمة.
القائمة الكاملة: 14 مرشحاً في السباق
بحسب آخر المعطيات المتوفرة إلى غاية 29 غشت 2026، اتسعت لائحة المتنافسين على المقاعد الأربعة لتشمل 14 اسماً موزعين على النحو التالي:
| المرشح | الحزب |
|---|---|
| محمد الحموداني | حزب الاستقلال |
| محمد الحموتي | الأصالة والمعاصرة |
| كريم البوطاهري | التجمع الوطني للأحرار |
| عبد الحق أمغار | الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية |
| محمد الأعرج | الحركة الشعبية |
| حنان المعروفي | العدالة والتنمية |
| لطيفة اعبّوث | الاتحاد الدستوري |
| محمد بوردة | التقدم والاشتراكية |
| ياسين أفاسي | تحالف اليسار (فيدرالية اليسار) |
| محمد العطلاتي | الديمقراطيين الجدد |
| محمد الفقيري | الحزب الديمقراطي الوطني |
| محمد اعبوث | الحزب المغربي الحر |
| أحمد بومعان | حزب البيئة والتنمية المستدامة |
| محمد العزوزي | جبهة القوى الديمقراطية |
هذا العدد الكبير من المرشحين، مقارنة بأربعة مقاعد فقط، يعكس بوضوح حجم التنافس الذي تشهده الدائرة هذه المرة، ويؤكد أن المعركة تجاوزت الأحزاب التقليدية الأربعة التي هيمنت على نتائج 2016 و2021.
كما يدخل ياسين الفاسي المنافسة باسم تحالف اليسار بعدما زكته فيدرالية اليسار رسمياً وكيلاً بدائرة الحسيمة ضمن لائحتها الموسعة التي تغطي 11 جهة على المستوى الوطني.
أربعة مقاعد.. لكن المعركة أكبر من أربعة أسماء
المؤشر الأبرز في انتخابات الحسيمة المقبلة هو أن المنافسة لن تكون فقط بين الأحزاب، بل بين أنماط مختلفة من العمل السياسي والانتخابي. هناك مرشحون يستندون إلى تجربة طويلة وشبكات انتخابية متراكمة، مقابل أسماء جديدة تراهن على خطاب التغيير وتجديد النخب وإعادة تعريف العلاقة بين المنتخب والناخب.
من واقع متابعة ميدانية لعدة استحقاقات سابقة بالمناطق الجبلية والساحلية كإقليم الحسيمة، يُلاحظ أن نجاح أي مرشح جديد يتوقف غالباً على ثلاثة عوامل حاسمة: القدرة على الحضور الفعلي في الجماعات القروية النائية لا فقط في مركز المدينة، وجود شبكة وسطاء محليين موثوقين قادرين على تعبئة الناخبين يوم الاقتراع، وأخيراً القدرة على تقديم خطاب ملموس يجيب عن الهموم اليومية (التشغيل، البنية التحتية، الصحة) بدل الاكتفاء بالشعارات العامة. هذه المعادلة الميدانية غالباً ما تفوق في أهميتها قوة العلامة الحزبية وحدها.
وبين الطرفين توجد كتلة انتخابية قد تكون حاسمة: الناخبون المترددون والأصوات التي لم تحسم خيارها بعد. كما أن المعركة ستختبر قدرة الأحزاب على تحويل حضورها التنظيمي إلى أصوات فعلية، ومدى قدرة المرشحين على الوصول إلى مختلف مناطق الدائرة، بما فيها الجماعات الجبلية التي تشكل تاريخياً خزاناً انتخابياً حاسماً في نتائج الحسيمة.
اختبار حقيقي لخريطة النفوذ
مع اقتراب موعد الاقتراع في 23 شتنبر 2026، تبدو دائرة الحسيمة أمام انتخابات تحمل أكثر من عنوان. فهي من جهة اختبار للأحزاب التي تريد الحفاظ على مواقعها، ومن جهة أخرى فرصة أمام قوى سياسية تسعى إلى إحداث اختراق انتخابي وإعادة رسم الخريطة المحلية.
السؤال الحقيقي لن يكون فقط: من سيفوز بالمقاعد الأربعة؟ بل أيضاً: من يستطيع الحفاظ على نفوذه بعد غياب وجه تاريخي مثل نور الدين مضيان؟ ومن سيتمكن من بناء نفوذ جديد وسط منافسة تضم 14 اسماً؟
فإذا نجحت الوجوه التقليدية، كالحموتي والأعرج وأمغار، في الحفاظ على مواقعها، فسيكون ذلك مؤشراً على استمرار قوة شبكاتها الانتخابية وقدرتها على الصمود أمام موجة التجديد. أما إذا تمكنت الوجوه الجديدة، سواء من حزب الاستقلال بمرشحه الجديد أو من العدالة والتنمية بمرشحته حنان المعروفي، من انتزاع أحد المقاعد، فستكون النتيجة بمثابة إعلان عن بداية إعادة ترتيب فعلي للمشهد السياسي بدائرة الحسيمة.
وبذلك، تبدو انتخابات 23 شتنبر 2026 أقرب إلى اختبار حقيقي لموازين القوى المحلية منها إلى مجرد استحقاق عادي؛ أربعة مقاعد فقط، لكن خلفها معركة بـ14 مرشحاً على النفوذ والتمثيلية والقدرة على التأثير في مستقبل المشهد السياسي بالحسيمة لسنوات مقبلة.

















