يشهد مركز جماعة إساكن بإقليم الحسيمة انتشارًا واسعًا للنفايات، بعد أن أصبحت الأزبال تتراكم بالفضاءات العامة في وضع أثار استياءً متزايدًا لدى السكان، وأعاد ملف تدبير قطاع النظافة إلى صدارة النقاش المحلي. هذه الأزمة، التي تتكرر بشكل يعكس هشاشة بنيوية في تدبير النفايات القروية، ليست جديدة على هذه الجماعة، بل تعيد إلى الأذهان مشاكل بيئية سابقة عرفتها المنطقة منذ سنوات.
واقع يومي يثقل كاهل السكان
أشار السكان إلى أن النفايات المتراكمة تحولت إلى مصدر مباشر للروائح الكريهة والإزعاج، خصوصًا في ظل ارتفاع درجات الحرارة وهبوب الرياح التي تُساهم في نقل بقايا الأكياس البلاستيكية وانتشارها في محيط أوسع. من واقع الميدان، هذه الظاهرة ليست حكرًا على إساكن وحدها، بل تعكس تحديًا هيكليًا يعيشه كثير من المراكز القروية المغربية التي تتوسع سكانيًا دون أن تواكبها بنية تحتية كافية لتدبير النفايات.
الأرقام تكشف الفارق بين الحضري والقروي
المعطيات الرسمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط بخصوص إقليم الحسيمة لسنة 2024 تكشف حجم الفارق بين الوسطين الحضري والقروي في التعامل مع النفايات المنزلية. في المناطق الحضرية بالإقليم، ترتفع نسبة الأسر التي تستعمل حاوية الجماعة إلى 83.7%، مقارنة بـ45.3% فقط سنة 2014، وهو تطور لافت يعكس نجاح برامج التدبير المفوض في المدن.
في المقابل، لا تتجاوز هذه النسبة 8% في الوسط القروي، بينما لا يزال التخلص من النفايات في الطبيعة يمثل الممارسة السائدة بنسبة 83.6% من الأسر القروية. هذا الفارق الإحصائي يفسر إلى حد كبير ما يعيشه سكان إساكن اليوم: مركز يتوسع ديمغرافيًا وعمرانيًا، لكن خدماته الأساسية، وعلى رأسها النظافة، لم تواكب هذا التوسع بالسرعة والفعالية المطلوبتين.
من التاريخ: مشروع سابق لم يُطوَّق بحل جذري
المفارقة أن جماعة إساكن سبق أن استُهدفت ضمن مشروع بيئي رسمي سنة 2018، في إطار برنامج “الحسيمة منارة المتوسط”، والذي كان يهدف إلى إغلاق ثلاث مطارح عشوائية، من بينها مطرح إساكن نفسه، بموازاة إحداث مطرح مراقب بجماعة سيدي بوتميم بكلفة استثمار بلغت 54 مليون درهم. هذا يعني أن المشكلة ليست غائبة عن الرصد الرسمي، بل سبق تشخيصها والتخطيط لحلها جزئيًا، وهو ما يطرح سؤالًا مشروعًا: ما الذي حال دون استمرار نتائج ذلك المشروع أو تعميمها بشكل يواكب النمو السكاني للمركز؟
تحدٍّ إداري في ظل تحوّل عمراني متسارع
بحسب المتتبعين للشأن البيئي، يضع هذا الملف تدبير المجلس الجماعي أمام تحديات كبيرة، خصوصًا أن الأمر يتعلق بخدمة أساسية ترتبط مباشرة بانتظارات السكان في محيط بدأ يتحول تدريجيًا من مجال قروي إلى مركز شبه حضري. هذا التحول ليس تفصيلًا ثانويًا، بل هو جوهر المعادلة: فالبنية التنظيمية والمالية واللوجستيكية التي تصلح لتدبير نفايات تجمع قروي صغير، لا تصلح بالضرورة لمركز يتوسع سكانيًا وعمرانيًا بوتيرة متسارعة.
من واقع تجارب جماعات مماثلة في المغرب، فإن نقطة التحول الحضري تتطلب مراجعة شاملة لعقود التدبير، وتحديد نقاط تجميع واضحة ومجدولة، وتخصيص شاحنات كافية تتناسب مع حجم الإنتاج اليومي للنفايات، وهو نموذج بدأ يُطبَّق تدريجيًا في مدن مثل الحسيمة والدار البيضاء وطنجة عبر عقود التدبير المفوض للنفايات، التي وصلت وطنيًا إلى 122 عقدًا شمل معظم المدن المغربية.
البعد البيئي: رأس المال الحقيقي لإساكن
ما يزيد من حساسية هذا الملف هو أن جماعة إساكن مرشحة مستقبلًا لاستقطاب قطب حضري متميز بالإقليم، وكان للبعد البيئي فيها النصيب الأساسي في ترجيح هذا الاختيار. بعبارة أخرى، الطبيعة والغطاء الغابوي المحيط بالمنطقة ليسا مجرد ديكور، بل هما الأصل الاستراتيجي الذي يمنح إساكن ميزتها التنافسية كموقع للتوسع الحضري المستقبلي.
من هذا المنطلق، فإن استمرار تراكم النفايات دون معالجة جذرية لا يهدد فقط جمالية المجال العام والصحة العامة على المدى القصير، بل يهدد أيضًا المشروع التنموي الأكبر الذي تُراهن عليه الجماعة على المدى المتوسط والبعيد. فمن الصعب تسويق أي منطقة كقطب حضري بيئي متميز، بينما تنتشر فيها الأزبال في الفضاءات العامة وتتصاعد منها الروائح الكريهة.
مطالب واضحة من الساكنة
في انتظار المعالجة النهائية لهذا الوضع، يطالب سكان مركز إساكن الجهات الوصية والسلطات الإقليمية بثلاثة مستويات من التدخل:
- التدخل العاجل لرفع النفايات المتراكمة حاليًا ومعالجة النقاط السوداء المعروفة بتراكمها المستمر.
- ضمان انتظام عمليات الجمع مستقبلًا، عبر جدولة واضحة تتناسب مع الإيقاع اليومي لإنتاج النفايات.
- البحث عن حلول ناجعة ومستدامة، تأخذ بعين الاعتبار المسار التنموي للجماعة نحو مركز شبه حضري.
نظرة عملية: ما الذي ينجح في حالات مشابهة؟
من واقع تجارب ميدانية في جماعات قروية أخرى شهدت تحولًا مماثلًا، تُظهر الممارسات الناجحة أن الحل لا يكمن فقط في زيادة عدد الشاحنات، بل في مقاربة متكاملة تشمل: تحديد نقاط تجميع ثابتة قريبة من التجمعات السكنية لتفادي رمي النفايات العشوائي، إشراك الفاعلين المحليين والجمعيات في حملات التوعية البيئية، وتفعيل آليات الفرز الأولي في المصدر لتقليل الكميات الموجهة للطمر، تماشيًا مع البروتوكول الوطني الجديد الذي يستهدف بلوغ نسبة تثمين 25% في أفق 2030.hibapress
كما يبقى إحداث أو تأهيل مطرح مراقب يخدم المنطقة بشكل مستدام، عنصرًا حاسمًا لتفادي تكرار سيناريوهات المطارح العشوائية التي عرفتها المنطقة سابقًا، والتي كانت تُلحق أضرارًا مباشرة بالغطاء الغابوي والثروة الحيوانية المحلية.
الخلاصة
ملف النفايات بإساكن ليس مجرد شكوى موسمية، بل مؤشر حقيقي على ضرورة تسريع مواكبة التحول العمراني للجماعة ببنية تحتية بيئية تليق بطموحها كقطب حضري ناشئ. فالسكان لا يطلبون أكثر من حقهم في محيط نظيف وصحي، بينما تبقى الجماعة أمام فرصة حقيقية لتحويل هذا التحدي إلى نموذج تنموي يحافظ على البعد البيئي الذي يشكل، في نهاية المطاف، أقوى ورقة رابحة تملكها إساكن لمستقبلها الحضري.



















