هل الدجاج آمن فعلًا؟ دراسة إيطالية صادمة تهزّ الصورة المثالية للحوم البيضاء

حسيمة سيتيمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
هل الدجاج آمن فعلًا؟ دراسة إيطالية صادمة تهزّ الصورة المثالية للحوم البيضاء
بقلم: رشيد التازي

لسنوات طويلة، ظلّ الدجاج يُقدَّم بوصفه “الخيار الذكي” على المائدة: أخف من اللحوم الحمراء، أقل دسمًا، وأكثر انسجامًا مع نمط الحياة الصحي. لكن دراسة إيطالية جديدة قلبت هذه القناعة رأسًا على عقب، بعدما أشارت إلى أن الإفراط في تناول اللحوم البيضاء قد يرتبط بارتفاع خطر الوفاة، خصوصًا بسبب سرطانات الجهاز الهضمي.

الدراسة المنشورة في مجلة Nutrients بتاريخ 17 أبريل 2025 حملت عنوانًا لافتًا: “Does Poultry Consumption Increase the Risk of Mortality for Gastrointestinal Cancers? A Preliminary Competing Risk Analysis”. وبحسب ملخصها، تابع الباحثون نحو 5000 شخص لمدة تقارب 20 عامًا، ووجدوا أن من يستهلكون أكثر من 300 غرام من الدجاج أسبوعيًا، أي ما يعادل أربع حصص أو أكثر، سجلوا معدلات أعلى من الوفاة المبكرة مقارنة بمن يستهلكون كميات أقل.

أرقام تثير القلق

النتائج التي خرجت بها الدراسة ليست عادية على الإطلاق. فقد أشارت إلى أن خطر الوفاة لأي سبب ارتفع بنحو 27% لدى الفئة التي تستهلك كميات كبيرة من الدجاج، بينما قفز خطر الوفاة الناتجة عن سرطانات المعدة والأمعاء والكبد والبنكرياس إلى أكثر من الضعف، أي بزيادة تقارب 127%.

والأكثر إثارة للانتباه أن هذه الإشارات كانت أوضح عند الرجال، ما يفتح الباب أمام أسئلة إضافية حول الفروقات البيولوجية أو السلوكية أو الغذائية بين الجنسين، وحول ما إذا كانت أنماط الاستهلاك نفسها تلعب دورًا حاسمًا في النتيجة النهائية.

لماذا هزّت هذه الدراسة الثقة في الدجاج؟

لأن الدجاج لم يكن مجرد طعام، بل كان رمزًا غذائيًا للسلامة. كثيرون اختاروه بدل اللحوم الحمراء تحديدًا هربًا من الدهون المشبعة ومن المخاوف المرتبطة بالكوليسترول وبعض الأمراض المزمنة. لذلك، فإن أي دراسة تربط بين الإفراط في استهلاكه وبين مخاطر صحية خطيرة تُحدث صدمة مضاعفة، ليس فقط علميًا، بل نفسيًا أيضًا.

المشكلة أن الناس غالبًا ما يتعاملون مع الأطعمة بمنطق “الأبيض يعني الأفضل”، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. فالقيمة الصحية لأي غذاء لا تتحدد بنوعه فقط، بل أيضًا بكمية تناوله، وطريقة طبخه، وتكرار ظهوره في النظام الغذائي، وجودة المنتج نفسه.

هل الدجاج سبب مباشر؟

هنا يجب التوقف عند نقطة مهمة: هذه الدراسة، رغم خطورتها، لا تعني تلقائيًا أن الدجاج هو السبب المباشر في الإصابة بالسرطان أو في زيادة خطر الوفاة. فهي دراسة رصدية، أي إنها تلاحظ ارتباطًا بين الاستهلاك والنتائج الصحية، لكنها لا تثبت السببية النهائية بشكل قاطع.

ومع ذلك، لا يجوز التقليل من شأنها. فالدراسات الرصدية كثيرًا ما تكون أول إنذار مبكر يلفت الانتباه إلى مشكلة محتملة تستحق مزيدًا من الفحص. وفي هذه الحالة، الإنذار واضح: الاستهلاك المرتفع والمستمر للدجاج قد لا يكون بريئًا كما ظن كثيرون.

ماذا قد يفسر هذه النتائج؟

هناك عدة احتمالات تطرح نفسها بقوة. فطريقة الطهي تلعب دورًا مهمًا جدًا، خاصة حين يُطهى الدجاج بالقلي أو الشواء الشديد، حيث تتولد مركبات قد تكون ضارة على المدى البعيد. كما أن طبيعة التربية الصناعية للدواجن، والمواد المضافة أحيانًا، ونمط التغذية العام للفرد، كلها عوامل قد تتداخل لتنتج هذه الصورة القلقة.

ولا يمكن إغفال أن من يكثرون من الدجاج قد يكونون أصلًا جزءًا من نمط غذائي غير متوازن، قليل بالألياف والخضار والفاكهة، وهو ما قد يضاعف المخاطر ويجعل قراءة النتائج أكثر تعقيدًا.

الرسالة الأهم

لا تعني هذه الدراسة أن الدجاج يجب أن يُلغى من المائدة، لكنها بالتأكيد تسقط عنه صورة “الملاذ الآمن” الذي لا يحتاج إلى مراجعة. فحتى الأطعمة التي نعتبرها صحية تحتاج إلى حدود، والاعتدال يظل القاعدة الذهبية التي لا تُلغى مهما تبدلت الدراسات.

المعنى الحقيقي هنا ليس الخوف من الدجاج، بل الخوف من اليقين السريع. فما نعتقد أنه صحي دائمًا قد لا يكون كذلك عندما يتحول إلى عادة مفرطة، أو عندما يفقد توازنه داخل نظام غذائي فقير ومكرر.

المصدر متابعات
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق