عزوف جيل Z عن الوظائف المكتبية نحو المهن الحرفية: تحول اجتماعي يسائل نجاعة السياسات العمومية بالمغرب

حسيمة سيتيمنذ 13 دقيقةآخر تحديث :
عزوف جيل Z عن الوظائف المكتبية نحو المهن الحرفية: تحول اجتماعي يسائل نجاعة السياسات العمومية بالمغرب
بقلم: رشيد البراني

بقلم: رشيد البراني. لم يعد مفهوم العيش الكريم لدى الفئات الشابة مرادفاً بالضرورة للجلوس خلف مكاتب مكيفة أو الحصول على وظيفة إدارية ثابتة، بل أضحت الاستقلالية المالية والمرونة العملية المعيار الحقيقي لتحديد بوصلة المستقبل المهني. تشير استطلاعات ودراسات ميدانية حديثة إلى بروز تحول هيكلي في عقلية جيل Z المغربي، حيث اتجه قطاع واسع من الشباب نحو اختيار المهن الحرفية والتقنية والتطوير الميداني، متخلين عن الطموح التقليدي المتمثل في الوظيفة المكتبية. هذا التحول لا يعكس فقط تغيراً في الذوق الفردي، بل يعري واقع المكاتب التي أصبحت، في نظر الكثيرين، بيئة مشبعة بالجمود المالي والضغوط النفسية وسقوف النمو المحدودة.

من وهم الاستقرار المكتبي إلى واقع الاستقلالية الميدانية

يرى متابعون للشأن الاقتصادي والاجتماعي أن تفضيل جيل Z للمهن التقنية والميدانية يتجاوز منطق الخيار العابر إلى كونها استراتيجية تكيف مع تحولات سوق الشغل الحديث. فبينما ظلت الأجور في قطاعات الخدمات التقليدية والوظائف الإدارية متجمدة أمام معدلات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، تتيح المهن الحرفية المتطورة حلولاً أسرع لتحقيق الدخل المباشر وبناء مشاريع مستقلة. إن القراءة المتأنية لهذه الظاهرة تفيد بأن الشباب أصلحوا ينظرون إلى المهارة اليدوية والتقنية كأداة للتحرر من الامتثال الإداري، ووسيلة لاسترجاع المبادرة الفردية بعيداً عن بيروقراطية المؤسسات.

السياسات العمومية وسوق الشغل: فجوة التكوين وتحديات التنمية

يضع هذا التحول الاجتماعي المخططات الحكومية الموجهة للتشغيل والتكوين المهني أمام مرآة الحقيقة. فعلى الرغم من الخطابات الرسمية المتكررة حول ملائمة التكوين مع متطلبات سوق العمل، إلا أن الميدان يظهر وجود فجوة عميقة بين ما تُنتجه البرامج الأكاديمية التقليدية وبين تطلعات الشباب نحو الفرص الحقيقية. إن تدفق الشباب نحو المهن الحرفية الذاتية يأتي في جزء منه كرد فعل عقلاني على ضعف القدرة الاستيعابية للقطاعين العام والخاص للشهادات الجامعية، مما يجعل التكوين المهني والمهن التقنية الميدانية الملجأ الأكثر ملاءمة لضمان الكرامة المالية وتفادي الانزلاق نحو البطالة الهيكلية.

هل يستوعب الفاعل السياسي تحولات الثقافة الاقتصادية للشباب؟

تطرح هذه الدينامية الجارية أسئلة جوهرية حول مدى قدرة الفاعل السياسي والتنفيذي على استيعاب الرؤية الاقتصادية الجديدة لشباب اليوم. هل تملك وزارة التكافؤ الاجتماعي والتشغيل والمؤسسات المعنية رؤية شاملة لدعم هذا الجيل عبر هيكلة قطاع المهن الحرفية، وتوفير التغطية الاجتماعية العادلة، وتسهيل الولوج إلى القروض والتمويلات الدقيقة؟ أم أن الأمر سيظل مجرد مبادرات فردية يخوضها الشباب في مواجهة التعقيدات الإدارية وارتفاع تكاليف التأسيس؟ إن الحفاظ على كرامة الشباب وضمان العدالة المجالية في توزيع الفرص يتطلبان الانتقال من النظرة النمطية للمهن الحرفية إلى اعتبارها عماداً أساسياً للنموذج التنموي المنشود.

المصدر متابعات - حسيمة سيتي
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق