في ذكرى “عهد اعروي”: لماذا بقيت معركة العروي في ظل أنوال رغم أنها أكملت سقوط المشروع العسكري الإسباني في الريف؟

حسيمة سيتيمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
في ذكرى “عهد اعروي”: لماذا بقيت معركة العروي في ظل أنوال رغم أنها أكملت سقوط المشروع العسكري الإسباني في الريف؟
بقلم: الأستاذ عمر أزحاف

معركة اعروي كانت حلقة حاسمة في انهيار المشروع العسكري الإسباني في الريف الشرقي، لكنها ذابت داخل عنوان واحد هو “كارثة أنوال” في الذاكرة الإسبانية، ولم تُمنح استقلالها الرمزي كما تستحق.

حسيمة سيتي.. تحقيق في “عهد اعروي” المنسي

في كل صيف، يعود الحديث عن معركة أنوال بوصفها اللحظة التي كسرت فيها المقاومة الريفية بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي جيشًا استعماريًا كاملًا وأحدثت زلزالًا سياسيًا في مدريد. لكن في 9 غشت من نفس السنة، وقعت اعروي، المعركة/المذبحة التي أكملت انهيار الجبهة الإسبانية في الريف الشرقي، ومع ذلك بقيت في الظل مقارنة ببريق أنوال.
هذا التحقيق يحاول، باسم موقع “حسيمة سيتي”، أن يغوص في الأرشيف العسكري الإسباني والذاكرة الريفية ليجيب عن سؤال بسيط وعميق في آن واحد: لماذا لم تنل معركة اعروي نصيبها من الشهرة كما نالته معركة أنوال، رغم أنهما فصلان من ملحمة واحدة؟

سياق حرب الريف وصيف 1921

حرب الريف كانت آخر الحروب الاستعمارية الكبرى لإسبانيا، وامتدت بداية عشرينيات القرن الماضي بين جيش نظامي مجهز وبين مقاومة قبلية تعرف تضاريسها وتستند إلى شعور عميق بالرفض للوجود الأجنبي.
في هذا السياق، جاء صيف 1921 ليشكل نقطة تحول مفصلية؛ فمنذ سقوط موقع إغريبن ثم معسكر أنوال في 22 يوليوز، بدأت سلسلة انهيارات متتابعة للقوات الإسبانية المنتشرة في الريف الشرقي، وانتهت بالحصار والسقوط الدامي لموقع Monte Arruit/اعروي في 9 غشت.

أنوال: الشرارة التي فجّرت الجبهة

تصف المصادر الإسبانية معركة أنوال بأنها “أسوأ هزيمة في تاريخ الجيش الإسباني الحديث”، إذ انهارت فيها قيادة الجنرال سيلفستري وتعرضت كتائب كاملة للإبادة أو التفكك خلال أيام قليلة.
تُقدّر بعض الوثائق الرسمية عدد القتلى الإسبان، بين معركة أنوال وما تلاها من انسحاب حتى تخوم مليلية، بما بين 10 آلاف و13 ألف جندي، في مسار دموي امتد من أنوال إلى ناظور وزيلوان واعروي.

الريف، في سرديته، لا يرى في أنوال “كارثة” بل “نصرًا حاسمًا”، بينما تحتفظ الذاكرة الإسبانية باسم “Desastre de Annual” ليشمل الفترة بين 22 يوليوز و9 غشت، أي من سقوط أنوال إلى استسلام واعروي، وهو ما سيؤثر لاحقًا على طريقة تسمية وتغطية كل معركة ضمن هذه السلسلة.

من أنوال إلى اعروي: زحف المقاومة وانسحاب الجيش

بعد انهيار أنوال، لم تتوقف المقاومة، بل واصلت تقدمها السريع نحو مواقع أخرى مثل زيلوان وناظور، في حين تراجع ما تبقى من القوات الإسبانية نحو مواقع أكثر تحصينًا قرب مليلية.
بقي الجنرال فيليبي نافارو، الذي تولّى قيادة الناجين من أنوال، يقود انسحابًا قاسيًا باتجاه اعروي، حيث تجمعت بقايا القوات المنسحبة مع حامية الموقع الأصلية في ما يقارب ثلاثة آلاف جندي، بين جاهز للقتال ومصاب ومنهك.

هذه الحركة حولت اعروي إلى آخر معقل إسباني كبير خارج مليلية، وإلى نقطة اختبار جديدة لمدى قدرة المقاومة الريفية على إدارة الحصار والضغط الطويل، لا فقط المعركة المفتوحة.

حصار اعروي في الأرشيف العسكري الإسباني

الأرشيف العسكري الإسباني يصف ما جرى في Monte Arruit بأنه “حصار دام اثني عشر يومًا تقريبًا”، بدأ في نهاية يوليوز واستمر حتى 9 غشت، حيث وجدت القوات الإسبانية نفسها محاصرة بأعداد كبيرة من المجاهدين الريفيين، مع نقص حاد في الماء والمؤونة والذخيرة.
تُظهر بعض الوثائق أن عدد الرجال داخل اعروي عند بداية الحصار قارب 3017 جنديًا، وأن ما بقي منهم في الخدمة قرب نهاية الحصار انخفض إلى حوالي 2000، بعد سقوط مئات القتلى والجرحى تحت النار والحرّ والعطش.

في اليوم الأخير، وبضغط الظروف، تلقى الجنرال نافارو إذنًا من الجنرال برينغير، المقيم في مليلية، بالتفاوض على الاستسلام مقابل الحفاظ على حياة الجنود؛ فتم التوصل إلى اتفاق يقضي بتسليم الأسلحة والسماح للقوات بالانسحاب نحو مليلية.
لكن ما حدث بعد ذلك هو ما جعل اعروي تُسجّل في الأرشيف الإسباني تحت اسم “مذبحة”: تشير المصادر إلى أن الاتفاق لم يُحترم، وأن أغلب الجنود الذين استسلموا، أكثر من ألفي جندي، تعرضوا للقتل بعد نزع سلاحهم، في حين نجا نحو 400 إلى 600، معظمهم من الضباط، الذين أُخذوا أسرى للمطالبة بفدية.

حين عادت القوات الإسبانية لاستعادة Monte Arruit في أكتوبر 1921، تحت قيادة سانخورخو، وجدت – بحسب الروايات العسكرية – آلاف الجثث المتحللة في العراء، في مشهد ترك أثرًا عميقًا في الذاكرة العسكرية الإسبانية وكرّس صورة اعروي كرمز للمأساة أكثر منها كمرحلة من الانتصار الريفي.

كيف رآها الريفيون؟

من الجانب الريفي، تُقرأ اعروي باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لانتصار أنوال؛ فالمقاومة لم تكتف بدحر الجيش في موقع واحد، بل استثمرت حالة الانهيار لتُسقط آخر تجمع عسكري كبير خارج مليلية، وتقطع بذلك الطريق أمام أي إعادة تنظيم سريع للجبهة الإسبانية في الريف الشرقي.
معركة اعروي تثبت، في هذه القراءة، قدرة المقاومة على إدارة حصار طويل، واستغلال الأسلحة التي غنمتها في أنوال والمواقع المجاورة، وقطع خطوط الإمداد، والوصول إلى نقطة تجعل الخصم نفسه يقبل بالاستسلام قبل أن يتعرض للضرب النهائي.

في الوقت نفسه، تطرح بعض الدراسات إشكالًا أخلاقيًا داخل الذاكرة الريفية حول ما جرى بعد الاستسلام؛ فعبد الكريم الخطابي، وفق مصادر مختلفة، كان يشدد على حسن معاملة الأسرى والجرحى، ويرفض تصفية من يسلّم سلاحه، لكن جزءًا من المقاتلين الريفيين، بدافع الغضب أو الانتقام، لم يحترم تلك التوجيهات، وهو ما يجعل الاحتفاء الشعبي بالمعركة أقل وضوحًا مقارنة بأنوال التي ينظر إليها كنصر عسكري “نظيف” في مواجهة جيش مسلح على أرض المعركة.

“كارثة أنوال”: عنوان واحد يمحو التفاصيل

أحد الأسباب الأساسية لتهميش اسم اعروي في الذاكرة العامة، خاصة خارج الريف، هو أن المؤرخين الإسبان صاغوا عنوانًا واحدًا للفترة كلها: “Desastre de Annual” أو “كارثة أنوال”، ليغطي ما بين 22 يوليوز و9 غشت 1921، أي من سقوط أنوال إلى استسلام واعروي.
ضمن هذا الإطار، تم التعامل مع معارك الدريوش وتيزطوتين وزيلوان واعروي كفصول داخل “الكارثة”، لا كمعارك مستقلة لها أسماءها الخاصة؛ فأنوال، بحكم كونها نقطة الانهيار الأولى ومقتل الجنرال سيلفستري فيها، استحوذت على العنوان، بينما تحول اسم اعروي إلى “مذبحة Monte Arruit” ضمن هامش السرد، مرتبطًا أكثر بنهاية الحصار والاستسلام.

هذا الخيار في التسمية جعل كل الكتب والدراسات اللاحقة، وحتى المواد التعليمية والإعلامية الإسبانية، تضع اعروي تحت مظلة أنوال؛ وعندما يُقال “كارثة أنوال”، يُفهم ضمنًا ما جرى في اعروي، لكن دون أن يُذكر اسمها في الواجهة كنقطة مستقلة تستحق ذاكرة خاصة.

اختلاف زاوية النظر بين ضحية ومقاوم

ذاكرة الضحية (إسبانيا) ركزت على اللحظة التي بدأ فيها كل شيء ينهار: أنوال، وعلى اللحظة الأكثر دمويّة من وجهة نظرها: مذبحة اعروي بعد الاستسلام، لكنها قدّمت هذه الثانية كجزء من “الرحلة من أنوال إلى اعروي”، لا كمعركة ذات سياق مستقل.
أما ذاكرة المقاوم (الريف)، فتركّز على ما يثبت القدرة على النصر وإدارة الحرب، أي أنوال بوصفها المعركة التي كسرت الجيش في مواجهة مباشرة، ثم المسار الذي قاد إلى إعلان جمهورية الريف بعد ذلك، دون أن يتوقف السرد طويلًا عند تفاصيل الحصار الذي انتهى بمذبحة أسرى، لما يحمله من تعقيدات أخلاقية وسياسية.

وفي هذا التباين، يجد الباحث أن معركة اعروي تتموقع في منطقة رمادية: الإسبان يرونها رمزًا لأفظع ما جرى لهم بعد الاستسلام، والريفيون يرونها جزءًا من انتصار عسكري مركب، لكنهم يفضلون أن يكون رمز النصر هو أنوال نفسها، حيث كان القتال ضد جيش في حالة استعداد، لا ضد قوات استسلمت رسميًا.

لماذا لم تشتهر اعروي مثل أنوال؟

يمكن تلخيص الأسباب في عدة محاور متداخلة:

  1. هيمنة عنوان “كارثة أنوال” على السرد الإسباني
    اختيار هذا العنوان جعل أنوال “اسم العلامة التجارية” للهزيمة، وأدخل اعروي ضمن التفاصيل، لا في العنوان، وهو ما أثّر على الذاكرة العامة والكتابات اللاحقة.
  2. الرمزية السياسية لأنوال
    أنوال ارتبطت مباشرة بسقوط حكومات في مدريد، وببداية أزمة النظام الملكي، وبصعود الديكتاتورية العسكرية لاحقًا، ما جعلها نقطة مرجعية في التحليل السياسي، بينما ظلت اعروي أكثر حضورًا في أدبيات التاريخ العسكري التقني وليس في الخطاب السياسي العام.
  3. الإشكال الأخلاقي في الاحتفاء بمذبحة أسرى
    حتى في الرواية الريفية، يصعب تحويل مشهد قتل آلاف الجنود بعد استسلامهم إلى “ملحمة” يُحتفى بها بدون نقاش أخلاقي، خاصة مع وجود شهادات عن أن عبد الكريم نفسه كان يفضل معاملة الأسرى وفق قواعد الحرب، وأن جزءًا من المقاتلين خالفوا ذلك بدافع الانتقام.
  4. ضعف التوثيق المحلي المكتوب حول اعروي مقارنة بأنوال
    معركة أنوال حظيت بكتابات واسعة، سواء من مؤرخين إسبان أو من باحثين مغاربة وريفـيين، بينما بقيت اعروي في الغالب معروفة عبر الأرشيف العسكري الإسباني وبعض الإشارات الشفوية في الريف، دون أن تتبلور حولها أدبيات مستقلة بالعربية والريفية بالمستوى نفسه.
  5. التسلسل الزمني الذي يجعل اعروي تبدو “نهاية” لا “بداية”
    أنوال تُرى كبداية الانهيار، واعروي كنهاية سلسلة من المعارك، والذاكرة البشرية تميل عادة إلى تثبيت البدايات الكبرى لا نهايات المسار، إلا إذا حملت رمزية مستقلة، وهو ما لم يُمنح لاعروي في الخطاب العام رغم أهميتها العملياتية.

أنوال واعروي.. فصلان من ملحمة واحدة

رغم كل ما سبق، فإن القراءة المنصفة لتاريخ المقاومة الريفية لا يمكن أن تفصل بين أنوال واعروي.
أنوال كانت الشرارة التي أسقطت الجبهة، واعروي كانت الضربة التي منعت العدو من التقاط أنفاسه وأغلقت صفحة الوجود العسكري الإسباني في معظم الريف الشرقي، تاركة مليلية فقط كقاعدة محصّنة تحتاج إلى سنوات أخرى من الحرب والسياسة لإعادة رسم الخريطة.

من هذه الزاوية، فإن استعادة اسم اعروي في الذاكرة الريفية والمغربية عمومًا ليست مجرد تصحيح تاريخي، بل هي أيضًا إعادة الاعتبار لفصل من فصول ملحمة طويلة، ساهم في فتح الطريق أمام قيام جمهورية الريف (1921–1926) على أساس انتصار عسكري وسياسي متكامل، لا معركة واحدة معزولة.

المصدر متابعات / أرشيف الريف / الأرشيف الإسباني
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق