ما تداولته منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة ليس مجرد مشهد صادم أو فيديو مثير للجدل، بل وثيقة إجرامية بكل المعايير القانونية والأخلاقية. طفل لا يتجاوز السبع سنوات، يُجبر على تجرع مادة كحولية، يُصوَّر دون حياء أو خجل، ويضحك من حوله وكأن الأمر مزحة أو ترفيه.
جريمة مكتملة الأركان لا “تجاوز عابر”
منظمة “ما تقيش ولدي” كانت من أولى الجهات التي وصفت الواقعة بما تستحقه: “جريمة مكتملة الأركان”، لا مزاحًا ولا محتوى رقميًا عاديًا. وهذا التوصيف لا يأتي من الغلو بل من القانون نفسه، إذ ينص الفصل 468 من القانون الجنائي المغربي صراحةً على معاقبة كل من قدّم أو حاول تقديم الخمر لقاصر بالحبس والغرامة المالية، فضلًا عن تهم تعريض الطفل للخطر والاعتداء على سلامته النفسية والجسدية.
والجريمة هنا لا تقف عند حد إعطاء الطفل المسكر، بل تتضاعف:
- إجبار الطفل على الشرب قسرًا بدل إغرائه فقط
- تصويره في وضعية مُهينة وتوثيق الفعل الإجرامي
- نشر الفيديو على الملأ وكأن في ذلك فخرًا أو ترفيهًا
- التطبيع مع المشهد من قِبل الحاضرين الذين صفّقوا ولم يتدخلوا
ردود الفعل: الغضب واحد والمطالبة بتحقيق فوري
دخلت على الخط رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان آمنة بوعياش، التي طالبت بوقف تداول الفيديو دون إخفاء ملامح الطفل، وطالبت بتدخل عاجل من النيابة العامة لتوفير الحماية اللازمة للطفل وترتيب الآثار القانونية على المتورطين.
كما أكدت منظمة “ما تقيش ولدي” في بلاغها الصادر عن الرباط بتاريخ 28 ماي 2026، أن الواقعة تمثل انتهاكًا خطيرًا يمس سلامة الطفل الجسدية والنفسية والصحية، وطالبت رئاسة النيابة العامة والمصالح الأمنية المختصة بالجرائم الرقمية بالتدخل الفوري لتحديد هوية المتورطين ومكان التصوير وتوقيفهم.
وأشارت التقارير إلى أن الواقعة قد تكون جرت في منطقة سيدي رحال الشاطئ، ما يُضيّق دائرة البحث ويُسهّل التحقيق إذا توفرت الإرادة القضائية.
السياق الأشمل: ليس حادثًا معزولًا
المؤلم أن هذا الفيديو لا يُمثّل حادثة فريدة منعزلة. فقبل أسابيع قليلة، أثار مقطع آخر من طنجة جدلًا واسعًا بعد أن أدّى مغنٍ شعبي أمام عشرات القاصرين أغاني تحرض على شرب الخمر والرذيلة، ليردد الأطفال كلماتها بكل عفوية. وهو ما يكشف أن المشكلة بنيوية قبل أن تكون حادثة فردية: غياب ثقافة حماية الطفل في الفضاء العام، وضعف الردع القانوني الذي يجعل بعض الأشخاص لا يُدركون أو لا يبالون بأن ما يفعلونه يُدخلهم دائرة الجريمة المعاقب عليها.
ماذا يتوقع القانون؟ وماذا تتوقع الضمير؟
المشكلة ليست في غياب النصوص القانونية، فهي موجودة وصريحة. المشكلة في إيقاع التطبيق. فالمغرب شهد عشرات الحوادث المشابهة التي لم تنتهِ بأي محاسبة جدية، ما يُرسّخ شعورًا بالإفلات من العقاب، ويُشجّع على تكرار الفعل ونشره على مرأى من الجميع.
القضاء المغربي أمام اختبار مباشر الآن:
- هل سيتحرك بسرعة كافية لتحديد هوية المتورطين؟
- هل ستكون العقوبة رادعة حقيقية أم مجرد غرامة رمزية تُنسى في الأسبوع الموالي؟
- هل ستُرفق المحاسبة القانونية بإجراءات حماية اجتماعية للطفل الضحية؟
الطفل في هذا الفيديو لا يعرف ما يُفعل به. براءته هي ما يجعل المشهد أشد قسوة وأكثر إيلامًا. ومن يضحك خلف الكاميرا وهو يُقدّم الكأس لطفل لا يتجاوز السبع سنوات لا يفهم فقط معنى الجريمة، بل يفهم ما هو أخطر: أنه لا يخشى العواقب.
مهمة المجتمع المدني والقضاء معًا اليوم أن يُثبتا أنه أخطأ في هذا الظن.



















