متى يكون المنتخب مرآةً صادقة لبلده؟ حين تنسجم الأرقام داخل الملعب وخارجه

حسيمة سيتيمنذ 45 دقيقةآخر تحديث :
متى يكون المنتخب مرآةً صادقة لبلده؟ حين تنسجم الأرقام داخل الملعب وخارجه
متى يكون المنتخب مرآةً صادقة لبلده؟ حين تنسجم الأرقام داخل الملعب وخارجه

ظلال الكهف الأفلاطوني: حين تصبح الصورة بديلاً عن الحقيقة

في كتابه الشهير ‘الجمهورية’، يقدم الفيلسوف اليوناني أفلاطون أسطورة الكهف الشهيرة، حيث يعيش سجناء مقيدون لا يرون من العالم سوى ظلال مشوهة تنعكس على الجدار أمامهم، فيظنون أن تلك الظلال هي الحقيقة المطلقة والوحيدة. هذه الاستعارة الفلسفية القديمة تبدو اليوم حية ونابضة بأكثر من أي وقت مضى، خاصة حين نقارب الطريقة التي نتعامل بها مع النجاحات الرياضية الكبرى وصناعة الرموز الحديثة. إن اللقطة البراقة، والانتصار الرياضي الصاخب، وترتيب المنتخب الوطني البارز في المحافل الدولية، قد يتحول في لحظة تعميم خاطئة إلى ذلك الظل الأفلاطوني الذي يحجب خلفه جداراً طويلاً من التفاصيل المعيشية والواقعية الصعبة.

إن الصورة الرياضية في جوهرها قوة ناعمة واعدة، لكن الخطورة تكمن حين يُراد لهذا الظل البصري أن يختزل واقع دولة بأكملها، في قفزة سيكولوجية تخلط بين متعة تسعين دقيقة في الملعب، وبين مشاق ثمانين سنة من جودة الحياة والصحة والتعليم. هنا تبرز المفارقة الكبرى التي تضع العقل والوعي الجمعي أمام مساءلة حقيقية: هل نعيش الحقيقة كما هي في تفاصيل القطاعات الحيوية، أم نكتفي بالابتهاج بالظلال الملونة الملقاة على شاشات التلفاز؟

المفارقة البنيوية: وهج المستطيل الأخضر ورمادية المرفق العمومي

من هنا ينبع الخطأ الشائع المتمثل في تحويل ترتيب المنتخب الوطني إلى مرآة كاملة وصقيلة لهوية الدولة ونجاحها الشامل. لا أحد ينكر أن المنتخب القوي المتماسك يصنع الفخر، ويغذي الهوية المشتركة، ويمد الجماهير بجرعات مكثفة من الفرح والانتماء الذي تعجز أحياناً خطابات السياسة عن توفيره. بيد أن هذا التوهج الرياضي يظل قاصراً عن أن يكون دليلاً علمياً على أن البلد بخير في قطاعاته الأساسية، تماماً كما أن تراجع الأداء الكروي لا يعني حتمية سقوط الدولة وفشلها البنيوي.

تتجلى هذه المفارقة حين نضع مؤشرات التنمية وجهاً لوجه أمام تصنيفات الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا). فمن السهل جداً أن تجد بلداً يتصدر قائمة الكبار كروياً، بينما ترزح مستشفياته تحت وطأة ضعف الإمكانيات، وتئن مدارسه من الاكتظاظ والتسرب المدرسي، وتفتقر أسواقه لفرص الشغل الحقيقية للشباب الخريجين. وفي المقابل، نجد دولاً أخرى قد لا تملك حضوراً لافتاً في نهائيات كأس العالم، لكنها تبني بهدوء صلب قاعدة متينة لكرامة الإنسان، عبر نظام صحي متكامل، وتدريب مستمر، وتعليم يضمن تكافؤ الفرص الحقيقي. إن المقارنة هنا لا تسعى لإعلان رابح أو خاسر في جولة تنافسية ضيقة، بل تطرح سؤالاً وجودياً أعمق: أين نربح حقيقةً؟ أفي الملاعب المؤقتة أم في معركة الحياة اليومية المستدامة؟

المغرب بين بلاغة الواجهة وسياقات التنمية البشرية

حقق المغرب في السنوات الأخيرة قفزات كروية هائلة لفتت أنظار العالم، وصنعت طاقة رمزية من الصعب تجاهلها. غير أن القيمة الفضلى لهذا الإنجاز لا تكتمل إلا عندما تنسجم هذه الانتصارات مع تقدم موازٍ وملموس في مؤشرات التنمية البشرية. عندما يتحدث المراقبون عن مقارنة رمزية بين المغرب وهولندا مثلاً، فإن المغزى لا يتعلق بحساب النقاط داخل الملعب، بل بمدى انعكاس هذا التقدم الكروي على البيئة الاجتماعية الحاضنة له.

إن القطاعات التي تصنع الإنسان كالصحة والتعليم والعدالة الاجتماعية هي التي تحدد القيمة التاريخية لأي طفرة تنموية. فإذا لمعت واجهة المنتخب الوطني، بينما ظلت المدرسة العمومية تبحث عن هويتها ومقومات جودتها، وصار الوصول إلى العلاج الكرامي عبئاً على كاهل المواطن، فإن الفجوة بين الواجهة والواقع تتسع بشكل يبعث على التساول والتحليل. الرياضة الحقيقية والملهمة هي تلك التي تنبع من مجتمع قوي ومعافى في تعليمه واقتصاده، لا تلك التي تعيش كواحة معزولة تقتات على مواهب يتم صقلها في حواضن خارجية بعيدة عن الواقع المعيشي الصعب.

نحو مصالحة تاريخية بين الرمز والواقع

إن المساءلة المطروحة اليوم ليست من قبيل التقليل من شأن الإنجازات الكروية، أو محاولة كبح جماح الفرح الشعبي العفوي؛ بل هي دعوة صادقة لفهم حدود الدور الذي تلعبه كرة القدم كأداة تعبيرية ورمزية. إن الدولة القوية بمؤسساتها الحيوية لا تحتاج إلى تغطية عيوبها بانتصارات مؤقتة، بل تجعل من تلك الانتصارات الرياضية نتيجة طبيعية لبنية تحتية إنسانية قوية وعادلة.

عندما يتطابق منحنى التفوق الكروي تصاعدياً مع تحسن ملموس في خدمات المستشفى العمومي، وارتفاع معدلات القراءة والابتكار في المدارس، وخلق حوافز اقتصادية حقيقية للشباب؛ عندها فقط يخرج الفخر الوطني من دائرته اللحظية والموسمية ليصبح واقعاً يومياً معاشاً. إن توازن المؤشرات هو الضمان الوحيد لعدم تحول الانتصارات الرياضية إلى مسكنات مؤقتة تعيق تشخيص المشكلات الهيكلية والعميقة التي تحتاج إلى حلول حقيقية ومستدامة.

الفخر الحقيقي وقيمة الإنسان

في نهاية المطاف، لا تقاس عظمة الأمم وبقاؤها التاريخي بعدد الكؤوس والميداليات التي تزين رفوفها، وإنما بقدرتها على صون كرامة أضعف حلقاتها الاجتماعية: الطفل في القرية النائية الباحث عن قلم ودفتر، والمريض الذي ينتظر دوره على أعتباب المشفى بكرامة وأمل، والشاب المتطلع لفرصة تليق بجهده وطموحه. إن التوازن المطلوب بين واجهة التميز الرياضي وعمق البناء التنموي هو الذي يمنح أي بلد هويته المتكاملة والمتماسكة؛ وبدون هذا الانسجام، تبقى أعظم الانتصارات فوق العشب الأخضر مبتورة وناقصة، بانتظار تلك اللحظة التي ينتصر فيها المجتمع لنفسه في ملاعب العلم والمعرفة والصحة والعدالة.

المصدر مقال رأي - نسرين سلامة
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق