الذاكرة والسيادة ومفارقة الصفح المعلق في ريف المغرب

حسيمة سيتيمنذ ساعتينآخر تحديث :
الذاكرة والسيادة ومفارقة الصفح المعلق في ريف المغرب
الذاكرة والسيادة ومفارقة الصفح المعلق في ريف المغرب

في كتابه الشهير “الذاكرة، التاريخ، النسيان”، يطرح الفيلسوف الفرنسي بول ريكور مفهوم “الذاكرة الجريحة”، معتبراً أن الجروح الجماعية للأوطان لا تلتئم بمجرد مرور الزمن أو بالتشبث بالصمت، بل تتطلب عملاً أخلاقياً شجاعاً يعيد التأسيس للعلاقة بين الذات والآخر على أسس الاعتراف والعدالة الرمزية. في هذا السياق الرمزي، تتجلى قضية المصالحة مع الريف في المغرب كحالة دراسية بامتياز، حيث يتداخل التاريخ بالجغرافيا، وتصطدم لغة السيادة بمطالب الكرامة والاعتراف الإنساني. إن الريح التي تهب اليوم لا تحمل فقط تفاصيل الموسم الروحي، بل تحمل معها سؤالاً سياسياً وأخلاقياً ثقيلاً: هل تملك المؤسسات القدرة الشجاعة على طي صفحة الماضي بقرار تاريخي، أم أن منطق العناد والتحفظ الإداري سيظل سائداً ومفروضاً فوق كل اعتبار؟

زمن العفو الناقص ومقاربة المسكنات السياسية

على مدى السنوات الماضية، جرى التعامل مع ملف الحراك الإقليمي بنوع من التردد الذي يصفه مراقبون بأنه رغبة في الإبقاء على حالة من التوازن القائم دون حسم جذري أو شجاعة سياسية حقيقية. هذا التردد أنتج ما يمكن تسميته بـ”زمن العفو الناقص”، حيث أُفرج عن بعض الوجوه في مناسبات متفرقة وظل الرموز والقادة الفعليون وراء الجدران. إن هذه المقاربة التجزئية، وإن أسهمت في خفض منسوب التوتر اللحظي في الشارع، إلا أنها لم تنجح في بناء ثقة مستدامة أو إنتاج مصالحة حقيقية تنهي هذا الجرح المفتوح.

من وجهة نظر العلوم السياسية وتحليل النزاعات الاجتماعية، فإن معالجة الأزمات العميقة عبر أدوات التسكين المؤقت غالباً ما تؤدي إلى تعميق القطيعة النفسية والسياسية بين المركز والهامش. عندما يبقى الرموز خلف القضبان، فإن الرسالة الضمنية التي يتلقاها الشارع هي أن مناخ الانفراج لم يكتمل بعد، وأن رغبة الشفاء الوطني لا تزال تواجه كوابح إدارية وهياكل تفكير تقليدية تخشى المراجعة وتفضل منطق القوة على منطق التفهم والصفح الخلاق.

مفهوم هيبة الدولة بين الصلابة المؤسساتية والمرونة الأخلاقية

تطرح النظريات المعاصرة حول بنية الدولة سؤالاً جوهرياً: أين تكمن القوة الحقيقية للسلطة ومؤسساتها؟ هل تكمن في القدرة على الاستمرار في العقاب وفرض الصمت الإجباري، أم في القدرة على المبادرة والتراجع عن المقاربات الخاطئة عندما يقتضي الصالح العام ذلك؟ إن خلط المفاهيم بين “الهيبة” و”العناد السياسي” يعد من أكبر التحديات التي تواجه مسارات الانتقال والتسوية السياسية.

الهيبة الحقيقية للدول لا تُقاس أبداً بعدد الملفات المفتوحة أو بقدرتها الاستثنائية على الإبقاء على أبنائها وراء القضبان كأوراق توازن سياسي، بل تظهر جلياً في قدرتها على الاعتراف بأن الاستقرار الدائم لا يُبنى بالقبضة الأمنية وحدها، وأن السلم الاجتماعي الحقيقي يخرج من قاعات الحوار والمصالحة لا من الزنازين المغلقة. وحين يتحول الاعتقال إلى وضعية ممتدة زمنياً بلا سقف واضح للتسوية، تفقد السياسة مرونتها وتصبح مهددة بالجمود والتحجر البيروقراطي.

الريف ليس هامشاً جغرافياً بل عمق رمزي وتاريخي

إن التعامل مع منطقة الريف باعتبارها مجرد ملف أمني طويل الأمد أو وحدة إدارية تحتاج إلى مشاريع تنموية فوقية هو تبسيط مخل لواقع سوسيولوجي مركب. الريف يشكل مجالاً رمزياً وتاريخياً وبشرياً يتمتع بحساسية فائقة تجاه قضايا الكرامة والاعتراف بالذات، وشبابه ليسوا خارجين عن سياق الوطن حتى يُعاملوا بمنطق التوجس والرقابة الدائمة.

عندما يُطلب من أبناء المنطقة تجاوز ذكريات الاعتقال والاندماج في برامج تنموية معزولة عن سياق الانفراج السياسي، فإن تلك التنمية تظل فاقدة للشرعية النفسية في عيون المجتمع المحلي. التنمية والعدالة ليسا مسارين منفصلين، بل هما وجهان لعملة واحدة؛ فلا يمكن تشييد بنية تحتية صلبة على أرضية من التوتر الاجتماعي وعدم اليقين القضائي والإنساني. إن أي جهد لا يبدأ بتحرير الإنسان والاعتراف بكرامته يظل جهداً ناقصاً ومثقوباً من الداخل.

رمزية الأعياد والفرص السياسية المتاحة

تمثل المناسبات الوطنية والدينية الكبرى دائماً محطات تاريخية ملائمة لاتخاذ قرارات استراتيجية شجاعة تتجاوز الحسابات الأمنية الضيقة ومخاوف البيروقراطية المحافظة. إن مبادرة العفو الشامل وإنهاء ملف الاعتقال السياسي في الريف تمثل خطوة لا تحتاج إلى تبريرات قانونية معقدة، بل إلى إرادة سياسية واضحة تدرك أن كلفة الاستمرار في العناد وتأجيل الحل تفوق بكثير كلفة المبادرة والصفح.

إن طي هذا الملف بشكل كامل وشامل سيمثل إعلاناً صريحاً عن دخول مرحلة جديدة من الثقة المتبادلة بين الدولة ومواطنيها في الريف الكبير. الأمل المعلق على هذه المحطات الرمزية ليس مجرد تطلع عاطفي أو رغبة بروتوكولية، بل هو حاجة سياسية ملحة لإيقاف النزيف النفسي والاجتماعي الذي عانت منه المنطقة لسنوات، وتحويل العلاقة بين المركز والطرف من صيغة المراقبة والتحفظ إلى صيغة الشراكة والاعتراف المتبادل بالحقوق والواجبات الإنسانية والوطنية.

المصدر حسيمة سيتي
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق