حين تكشف الكهرباء والنفط هشاشة العلاقة بين الرباط ومدريد
في السياسة، قد تبدو الخلافات بين الدول قابلة للاحتواء بالبيانات والوساطات، لكن الطاقة لا تعرف المجاملات. فحين ينقطع التيار أو تتوقف شحنات الوقود، تتحول التوترات الدبلوماسية في لحظة إلى أزمة معيشية واقتصادية يدفع ثمنها المواطن والقطاعات الإنتاجية معًا.
ومن هنا يفرض نفسه سؤال شديد الحساسية: ماذا لو قررت إسبانيا، في لحظة توتر حاد، وقف صادراتها النفطية وتعليق مساهمتها في تزويد المغرب بالكهرباء؟
المعطيات المتوفرة عن سنة 2025 تكشف أن السؤال ليس افتراضيًا بالكامل. فقد أرسلت إسبانيا إلى المغرب نحو 3.9 تيراواط/ساعة من الكهرباء، أي ما يعادل 8% من الطلب الوطني المغربي، الذي بلغ قرابة 49 تيراواط/ساعة. كما سجل الميزان الكهربائي لصالح إسبانيا 3743 جيغاواط/ساعة، وهو أعلى مستوى منذ عام 2017.
اعتماد يتجاوز لغة البيانات
على وقع الخلافات المرتبطة بالهجرة وسبتة ومليلية وملفات السيادة، قدّم البلدان علاقتهما في السنوات الأخيرة باعتبارها شراكة استراتيجية. لكن الأرقام تكشف جانبًا أكثر تعقيدًا: المغرب يعتمد على إسبانيا في جزء مهم من أمنه الطاقي، بينما تستفيد مدريد بدورها من موقع المغرب داخل منظومة الطاقة الإقليمية ومن المبادلات العابرة للحدود.
الكهرباء التي تصل عبر مضيق جبل طارق ليست مجرد سلعة تجارية عابرة، بل جزء من شبكة حيوية تربط الضفتين. وتبلغ القدرة التقنية الإجمالية للوصلتين القائمتين نحو 1400 ميغاواط، بواقع 700 ميغاواط لكل وصلة، فيما تُقدّر القدرة التجارية الفعلية بأقل من ذلك بسبب متطلبات الاستقرار والاحتياط.
وفي سنة 2025، كانت إسبانيا المصدر الصافي للكهرباء نحو المغرب للعام الرابع على التوالي، بينما شكلت الكهرباء الإسبانية 8% من الاستهلاك المغربي السنوي. وقد ارتفعت أهمية هذا المسار بعد توقف إمدادات الغاز الجزائري عبر الأنبوب المغاربي الأوروبي سنة 2021، ما دفع المغرب إلى البحث عن بدائل للغاز والكهرباء والوقود.
النفط: نصف المزيج الطاقي تقريبًا
لا تتوقف المعادلة عند الكهرباء. فقد استورد المغرب من إسبانيا خلال سنة 2025 أكثر من ثلاثة ملايين طن من المنتجات النفطية، وهو ما يمثل نحو 23% من إجمالي وارداته في هذا المجال، وفق بيانات جمعتها وكالة الأنباء الإسبانية اعتمادًا على مصادر رسمية.
وهنا تظهر خطورة أي قرار بوقف الصادرات. فالمنتجات النفطية تمثل نحو 51% من المزيج الطاقي المغربي، ما يعني أن أي اضطراب في الإمدادات لا يهدد محطات الكهرباء فقط، بل يطال النقل، والفلاحة، والصناعة، والخدمات، وسلاسل توزيع المواد الأساسية.
صحيح أن المغرب لا يعتمد على إسبانيا وحدها، كما أن المنافسة الدولية تتيح نظريًا تعويض جزء من الشحنات من أسواق أخرى، لكن التعويض ليس فوريًا ولا مجانيًا. فاستبدال مورد رئيسي يحتاج إلى عقود جديدة، وموانئ، وقدرات تخزين، وشبكات نقل، وهوامش مالية لتحمل تقلبات الأسعار.
ماذا يحدث لو انقطعت الكهرباء؟
في السيناريو الأول، توقف إسبانيا تصدير الكهرباء عبر الوصلات البحرية. لن يعني ذلك بالضرورة سقوط الشبكة المغربية، لأن الربط الكهربائي لا يغطي كامل الطلب الوطني، ولأن المغرب يمتلك محطات إنتاج محلية ومصادر متعددة تشمل الفحم والغاز والطاقة الشمسية والريحية.
لكن الانقطاع المفاجئ قد يخلق ضغطًا كبيرًا في أوقات الذروة، خصوصًا خلال موجات الحر أو فترات ارتفاع الاستهلاك الصناعي. وسيضطر المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب إلى تعويض العجز بسرعة، إما عبر تشغيل وحدات إنتاج أقل كفاءة، أو رفع استيراد الوقود، أو تقليص هوامش الاحتياط.
وقد تظهر آثار الانقطاع في صورة ارتفاع تكلفة الإنتاج، وضغط على أسعار الكهرباء، واضطراب مؤقت في بعض المناطق أو القطاعات، لا سيما إذا تزامن القرار مع عطب تقني أو انخفاض في إنتاج الطاقات المتجددة.
وماذا عن الوقود؟
أما وقف صادرات المنتجات النفطية فسيكون أكثر تعقيدًا. فالكهرباء يمكن تعويض جزء منها بالإنتاج الوطني خلال فترة قصيرة نسبيًا، لكن سوق الوقود يحتاج إلى تدفقات متواصلة ومنظمة. أي نقص مفاجئ قد يؤدي إلى:
- ارتفاع أسعار البنزين والديزل.
- زيادة كلفة النقل واللوجستيك.
- ضغط إضافي على أسعار المواد الغذائية.
- إرباك عمل الفلاحة والصيد والصناعة.
- ارتفاع كلفة دعم أو حماية القدرة الشرائية.
- زيادة الطلب على مخزونات الاحتياط الاستراتيجي.
لن يكون التأثير متساويًا على كل القطاعات، لكنه سيظهر سريعًا في أسعار النقل والسلع، لأن الوقود يدخل في كل حلقة تقريبًا من حلقات الاقتصاد.
هل تستطيع إسبانيا فعل ذلك بسهولة؟
من الناحية السياسية، تستطيع الدول اتخاذ قرارات تجارية أو تنظيمية تقيد صادراتها، لكن المسألة ليست بلا كلفة. فالعلاقة الطاقية بين المغرب وإسبانيا تقوم على مبادلات تجارية واتفاقات وشبكات مترابطة، كما أن إسبانيا نفسها استفادت في أوقات سابقة من تدفقات كهربائية من المغرب وفرنسا.
خلال انقطاع كهربائي واسع في شبه الجزيرة الإيبيرية سنة 2025، أشارت معطيات إلى أن المغرب وفر لجهة إسبانيا دعمًا كهربائيًا عبر إحدى الوصلتين البحريتين، وهو ما يوضح أن العلاقة ليست خطًا أحادي الاتجاه دائمًا، بل شبكة يمكن أن تتغير فيها اتجاهات التدفق وفق الأسعار والطلب والظروف الطارئة.
لذلك، فإن وقف الطاقة لن يكون قرارًا تقنيًا محضًا، بل سلاحًا سياسيًا عالي الكلفة على الطرفين، وقد يضر بمصداقية إسبانيا كمورد وشريك، ويفتح الباب أمام المغرب لتسريع تنويع إمداداته.
خط ثالث: تعزيز الأمان أم تعميق الاعتماد؟
من المفارقات أن البلدين يواصلان التخطيط لإقامة ربط كهربائي ثالث، كان يفترض أن يرفع قدرة التبادل بينهما ويعزز أمن الشبكة. الاتفاق الأولي أسند إلى الشركة الإسبانية المشرفة على الشبكة ونظيرتها المغربية إجراء الدراسات التقنية والاقتصادية اللازمة، مع تقديرات أولية لقدرة إضافية في حدود 700 ميغاواط.
لكن المشروع نفسه يطرح سؤالًا استراتيجيًا: هل يرفع الربط الثالث قدرة المغرب على المناورة، أم يعمّق اعتماده على الضفة الشمالية؟
الجواب يتوقف على طريقة استعماله. فإذا كان الخط الثالث جزءًا من شبكة متوازنة تسمح بالتبادل في الاتجاهين، وتنويع مصادر الإنتاج، وبيع الفائض المغربي من الطاقات المتجددة، فإنه قد يتحول إلى أداة قوة متبادلة. أما إذا استُخدم لتعويض عجز بنيوي دائم، فقد يزيد هشاشة المغرب بدل أن يقللها.
وتشير تقارير حديثة إلى أن كلفة المشروع ارتفعت عن التقديرات الأولية، وأن موعد إنجازه قد يتأخر، ما يضع علامات استفهام حول جدواه المالية والزمنية.
الأزمة المحتملة تكشف سؤالًا أكبر
ليست المشكلة في أن المغرب يشتري الطاقة من إسبانيا، فالتجارة الطاقية العابرة للحدود أمر طبيعي في عالم مترابط. المشكلة هي أن أي دولة يجب أن تملك بدائل حقيقية عندما يتحول الشريك التجاري إلى مصدر ضغط سياسي.
الأمن الطاقي لا يعني إنتاج كل شيء محليًا، فهذا غير واقعي، بل يعني امتلاك:
- مصادر متعددة للوقود.
- مخزون استراتيجي كافٍ.
- قدرات تخزين واستقبال مستقلة.
- شبكة كهربائية مرنة.
- إنتاج محلي متنوع.
- عقود طويلة الأمد مع أكثر من مورد.
- قدرة على تشغيل محطات بديلة وقت الأزمات.
ومن هذه الزاوية، فإن الاعتماد على إسبانيا بنسبة 8% من الكهرباء و23% من واردات المنتجات النفطية لا يعني انهيارًا وشيكًا، لكنه يعني أن العلاقة تحمل نقطة ضغط حقيقية ينبغي عدم تجاهلها.
من يملك ورقة الضغط؟
تملك إسبانيا ورقة الطاقة، لكنها ليست الورقة الوحيدة. فالمغرب يملك بدوره موقعًا جغرافيًا مهمًا، وموانئ استراتيجية، ودورًا متزايدًا في سلاسل الطاقة والربط بين أوروبا وإفريقيا، إضافة إلى قدرته على تطوير الطاقات الشمسية والريحية وتصدير الكهرباء النظيفة مستقبلًا.
كما أن وقف الصادرات الإسبانية قد يدفع المغرب إلى تسريع شراكاته مع دول أخرى، وتنويع مصادر النفط والغاز، وتقوية الإنتاج المحلي، وهو ما قد يؤدي على المدى المتوسط إلى تقليص النفوذ الإسباني بدل تكريسه.
لكن هذا لا يلغي أن الانتقال من مورد إلى آخر يحتاج إلى وقت. وفي الأزمات، يكون الوقت نفسه موردًا نادرًا.
الخلاصة
ماذا لو أوقفت إسبانيا صادراتها النفطية ومساهمتها في كهرباء المغرب؟ لن ينهار المغرب بالضرورة، لكنه سيدخل في أزمة طاقية فورية تضغط على الأسعار والإنتاج والقدرة الشرائية، خصوصًا إذا جاء القرار بشكل مفاجئ ومتزامن مع ارتفاع الطلب أو اضطراب الأسواق العالمية.
الأرقام لا تقول إن المغرب بلا بدائل، لكنها تقول إن العلاقة الطاقية مع إسبانيا أصبحت ذات وزن لا يمكن إنكاره: نحو 3.9 تيراواط/ساعة من الكهرباء في 2025، و23% من واردات المنتجات النفطية قادمة من الأراضي الإسبانية.
لهذا، فإن الدرس الحقيقي ليس قطع العلاقة مع إسبانيا، بل إنهاء الاعتماد المفرط على أي شريك واحد. فالسيادة السياسية التي لا تسندها سيادة طاقية تظل ناقصة، والشراكة التي يمكن أن تتحول في لحظة توتر إلى أداة ضغط ليست شراكة متوازنة بالكامل.















