وضع نجيب الوزاني، رئيس الجماعة الترابية للحسيمة، استقراره على رأس المجلس في كفة الميزان، بعدما أبلغ مسؤولي عمالة الإقليم مؤخراً برغبته الصريحة في تقديم استقالته، إثر انسداد مسارات التدبير وتفكك التنسيق داخل أغلبيته، لتتدخل السلطات الإقليمية فوراً داعية إياه إلى التريث في خطوة تهدف لحماية استمرارية المرفق العام قبل أقل من عام على موعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وتأتي هذه التطورات الميدانية لتكشف عمق الأزمة الصامتة التي عاشتها المؤسسة المنتخبة على مدار الأشهر الماضية، حيث لم يعد خافياً أن تفاقم الصراعات السياسية والحسابات الفئوية الضيقة قد استنزف طاقة التدبير الجماعي بالمدينة، وحول جلسات العمل والتنسيق إلى ساحات لتصفية الحسابات بدل التفرغ لتجويد الخدمات الأساسية وتنزيل البرامج التنموية المعطلة.
من تدبير الشأن العام إلى متاهات الشكايات القضائية
وتشير المعطيات المتطابقة إلى أن وصول العلاقة بين رئيس المجلس ومكونات من الأغلبية المسيرة إلى طريق مسدود ارتبط بتصاعد وتيرة الشكايات القضائية المتبادلة، والتي اعتبرها رئيس الجماعة شكايات كيدية تهدف إلى شل قدرته التنفيذية وتكبيل أداء المكتب المسير، ما أدخل المرفق الجماعي في حالة من الارتباك والتردد الإداري التي تنعكس سلباً على وتيرة اتخاذ القرارات اليومية.
وفضلاً عن النزيف الداخلي للأغلبية، أفضت هذه الاصطفافات إلى تغييب الرؤية التنموية الموحدة للمدينة، حيث حلت الضبابية والعشوائية محل التخطيط الاستراتيجي الرصين، وهو ما جعل العمليات التدبيرية الروتينية رهينة لتوافقات هشة تتبدل مع كل جدول أعمال لدورات المجلس، في وقت كانت فيه حاضرة الريف تنتظر دفعة تنموية تعيد الحيوية لنسيجها الاقتصادي والاجتماعي.
وساطة السلطة الإقليمية وهاجس الزمن السياسي
وعلى إثر المساعي التي أبداها رئيس الجماعة للتنحي عن مهامه، سارعت سلطات عمالة الحسيمة إلى التدخل لفرملة قرار الاستقالة، موجهة دعوة مباشرة إلى الوزاني بضرورة التريث وتفادي خلق فراغ مؤسساتي مفاجئ، لا سيما أن الولاية الانتدابية الحالية تلفظ أنفاسها الأخيرة وتفصلها أشهر معدودة عن نهايتها القانونية.
وينطلق موقف الإدارة الترابية من محددات تقنية وقانونية واضحة، إذ إن فتح مسطرة انتخاب رئيس جديد أو إعادة تشكيل المكتب في هذا الظرف الزمني الحرج قد يزج بالجماعة في فراغ تدبيري طويل الأمد، فضلاً عن تعقيد مساطر إعداد الميزانيات وتتبع المشاريع الجارية التي ترتبط بالتزامات مالية ومؤسساتية لا تحتمل التعطيل أو الانتظار.
كلفة الاحتقان.. المواطن أول المتضررين وآخر المستشارين
وبعيداً عن التفاصيل الإجرائية لطرق الخروج من المأزق، تظل ساكنة مدينة الحسيمة هي الطرف الأكثر تأثراً بتداعيات هذا الشلل التدبيري، إذ تدفع المدينة كلفة مباشرة من تراجع جودة المرفق العمومي، وتأخر الاستجابة للحاجيات الملحة للمواطنين في مجالات النظافة، والإنارة، والتهيئة الحضرية، ودعم الحركة الاقتصادية الراكدة.
ويعيد هذا المشهد طرح السؤال الأخلاقي والسياسي حول جدوى التحالفات الانتخابية الهشة التي تتشكل غداة صناديق الاقتراع دون أرضية تدبيرية صلبة، وكيف تنقلب الخلافات حول المواقع والنفوذ إلى عبء مباشر على المجتمع المحلي، الذي يجد نفسه مجبراً على مراقبة تجاذبات حزبية عقيمة بينما تظل قضاياه الحيوية معلقة في دهاليز الانتظار.
إن المرحلة المتبقية من عمر المجلس الجماعي للحسيمة تفرض على مختلف الفاعلين المنتخبين الارتقاء بالمسؤولية الانتدابية فوق الحسابات الحزبية المسبقة، فالاستقرار المؤسساتي ليس ترفاً تفاوضياً بل واجب دستوري والتزام أخلاقي تجاه الساكنة التي علقت آمالها على تعاقدات انتخابية لم تكتمل بعد شروط وفائها.



















