
ملف معتقلي حراك الريف: صخرة سيزيف وحسابات الحكمة والجمود
في روايته الشهيرة “أسطورة سيزيف”، يطرح ألبير كامو عبثية الجهد البشري عندما يُحكم على الإنسان بدفع صخرة إلى قمة الجبل لتسقط مجدداً. اليوم، يبدو ملف معتقلي حراك الريف أشبه بهذه الصخرة الرمزية التي تدور في حلقة مفرغة من الانتظار والترقب السياسي والأخلاقي، حيث تتنازع مقاربتان مختلفتان سبل التعاطي مع هذا الإرث الإنساني والسياسي الثقيل الذي طال أمده دون تسوية شاملة تنهي التوتر وتفتح آفاقاً جديدة للبناء المشترك.
صخرة سيزيف في سياق سياسي متجدد
لم يكن حراك الريف مجرد احتجاج عابر، بل كان تعبيراً رمزياً مكثفاً عن أسئلة التنمية والعدالة والمجال وحق المناطق الهامشية في نصيب عادل من الثروة والاهتمام الوطني. ومع مرور السنوات، تحول ملف الموقوفين على خلفيته إلى مرآة كاشفة تعكس تباين الرؤى العميقة داخل مراكز القرار المختلفة. بين من يرى في استمرار الوضع الراهن نوعاً من الحفاظ على التوازن الرمزي وفرض هيبة المؤسسات، وبين من يستشعر العبء الأخلاقي والسياسي المتزايد لبقاء هذه الجمرة متقدة تحت الرماد، تبرز الحاجة الملحة إلى مساءلة عميقة وموضوعية لأثر هذا الجمود المستمر على مستقبل الثقة بين المؤسسات والمجتمع المحلي بالمنطقة.
تباين الرؤى: بين استثمار الرصيد وضرورة التجاوز
في قراءة البنية الفكرية والسياسية التي تحكم هذا الملف الشائك، نجد أنفسنا أمام تيارين متباينين بشكل جذري في مراكز التأثير وصناعة القرار. التيار الأول يتعامل مع ملف الريف والحراك والمعتقلين كأنه ورقة سياسية قابلة للمناورة أو رصيد رمزي يستمد منه البعض حضوره المؤسساتي وشرعيته الإجرائية. هذا التصور يبقى محكوماً بحسابات ضيقة وآنية، تفضل الإبقاء على الملف معلقاً تحسباً لأي طارئ أو توظيف مستقبلي، دون الانتباه إلى أن إطالة أمد الانتظار تفقد أي مبادرة قادمة قيمتها الأخلاقية وتزيد من كلفة الجمود الباهظة على المدى الطويل.
تيار الجمود وحسابات الربح والخسارة الضيقة
يرتكز هذا التوجه التقليدي على فكرة مفادها أن الاستقرار والهدوء يتحققان بالتحفظ والصرامة القانونية والأمنية، وأن أي مرونة أو تراجع خطوة إلى الوراء قد يُفهم من لدن الأطراف الأخرى كعلامة ضعف أو انكسار أمام المطالب المجتمعية. لكن هذا الفهم يتناسى أن المرونة الخلاقة هي جوهر السياسة الحصيفة في إدارة الأزمات الكبرى، وأن القوة الحقيقية للدول تكمن دائماً في القدرة على الاستماع والاحتواء وبناء الجسور بدلاً من تعميق الخنادق والإقصاء. إن قراءة الواقع الوطني بعيون الحسابات الأمنية والتقنية الضيقة تجعل من قضايا الوطن الاستراتيجية مجرد تمرين روتيني في تدبير الأزمات اليومية، عوضاً عن كونها فرصة سانحة لبناء تعاقدات جديدة قوامها الإنصاف والعدالة والمصالحة التاريخية الشاملة.
تيار الحكمة وإزالة “الحجرة من الحذاء”
في المقابل تماماً، يبرز توجه أكثر واقعية وعمقاً ونضجاً يعتبر أن استمرار هذا الملف مفتوحاً لسنوات طويلة دون أفق واضح للحل أصبح عبئاً سياسياً وأخلاقياً ثقيلاً لا تبرره أي مكاسب مفترضة. يرى أصحاب هذا الرأي، والذين ينتمون لجيل جديد من صناع القرار والمفكرين، أن الحكمة السياسية والتبصر الاستراتيجي يقتضيان إزالة هذه “الحجرة من الحذاء” لمواصلة السير نحو المستقبل بخطى واثقة وهادئة ومنفتحة. إن بقاء ملف الريف عالقاً يشوش على المبادرات التنموية الكبرى والبرامج الطموحة التي تطلقها المملكة، ويحرم الدولة والمجتمع معاً من فرصة تاريخية نادرة لإعادة تمتين الجبهة الداخلية وتوحيد الصفوف في ظل سياق إقليمي ودولي مليء بالتحديات الجيوسياسية المعقدة والتحولات العاصفة التي تتطلب تماسكاً داخلياً لا تشوبه شائبة.
الصيف الساخن ومستجدات المساءلة والتحول
تشير المؤشرات والتحركات الأخيرة في الكواليس إلى أن هذا الصيف قد يحمل في طياته مستجدات حاسمة ومهمة على هذا الصعيد. فقد جاءت بعض الخرجات الإعلامية والمواقف المدافعة عن الجمود مؤخراً بنتائج عكسية تماماً لما كان يرجوه مروجوها والواقفون خلفها، إذ ساهمت بشكل مباشر في إحياء النقاش المجتمعي وتوسيع دائرة التعاطف الشعبي الواسع مع المعتقلين وعائلاتهم الصابرة، وأعادت لفت الانتباه الدولي والوطني إلى ضرورة طي هذا الملف بطريقة شجاعة، مسؤولة، ونهائية. لقد كشفت هذه الدينامية المتجددة أن المجتمع الحي لا ينسى جراحه، وأن محاولات التغاضي أو الالتفاف على المطالب المشروعة لم تعد مجدية في عصر يتميز بالشفافية الفائقة والترابط الرقمي المستمر.
أخلاقيات السياسة: نحو صفحة جديدة من الإنصاف والعدل
إن الانتقال التاريخي من منطق “الصفقات الضيقة” والتسويات المؤقتة إلى منطق “التحول الديمقراطي الشامل” يتطلب شجاعة أدبية وسياسية استثنائية من جميع الأطراف المعنية. واليوم، يبدو أن صوت الحكمة والتعقل يزداد قوة وزخماً داخل ردهات صناعة القرار، مدفوعاً بالقناعة الراسخة بأن طي هذا الملف لم يعد مجرد مطلب إنساني وحقوقي ملح، بل هو ضرورة استراتيجية قصوى لفتح صفحة جديدة مبنية على الثقة المتبادلة، الإنصاف الفعلي، والعدالة التصالحية الحقيقية. إن إنهاء هذه القضية بشكل عادل سيمثل استثماراً حقيقياً في المستقبل، وبرهاناً ساطعاً على أن الوطن يتسع للجميع ويهتم بأبنائه، متى ما توفرت الإرادة الصادقة والنية الطيبة لتجاوز عثرات الماضي وبناء غد مشترك يليق بتطلعات الأجيال القادمة في مغرب ديمقراطي وعادل.















