السعودية تحذف عبارة “المسلمون لن يتخلوا عن القدس أبدًا”.. وإسرائيل تصفق للتعديل

حسيمة سيتيمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
السعودية تحذف عبارة “المسلمون لن يتخلوا عن القدس أبدًا”.. وإسرائيل تصفق للتعديل
بقلم: رشيد التازي

نشرت شبكة “ميدل إيست آي” خبرًا مفاده أن السعودية حذفت عبارة “المسلمون لن يتخلوا عن القدس أبدًا” من كتبها الدراسية، وسط إشادة من منظمة “إمباكت سي” الإسرائيلية بهذا القرار. بعد التحقق من المعطيات المتوفرة، يتأكد أن الخبر صحيح في جوهره، لكنه أدق مما تبدو عليه العناوين المتداولة: الحديث يتعلق بحذف عبارة محددة من كتاب واحد، لا بإسقاط القدس أو فلسطين من المنظومة التعليمية السعودية بشكل كامل.

ما نشرته “ميدل إيست آي” بالتحديد

أكدت الشبكة البريطانية أن السعودية حذفت عبارة “المسلمون لن يتخلوا عن القدس” من كتبها الدراسية، مشيرة في الوقت نفسه إلى أن المناهج السعودية ما تزال تصف إسرائيل بأنها “احتلال”، وهو ما يعني أن التعديل لم يشمل قلب الموقف السياسي الرسمي من الصراع، بل تركيبة اللغة المستخدمة في التعبير عنه.x

هذه المعلومة تتقاطع مع تقارير أخرى، من بينها صحيفة “العربي الجديد”، التي أكدت أن العبارة كانت موجودة في كتاب اللغة العربية للصف الحادي عشر في طبعة 2023-2024، قبل أن تُحذف في الطبعات اللاحقة بدءًا من العام الدراسي 2024-2025.

من هي “إمباكت سي” ولماذا أشادت؟

منظمة “IMPACT-se”، وهي مؤسسة بحثية مقرها إسرائيل ومتخصصة في رصد محتوى المناهج التعليمية في العالم العربي والإسلامي، هي من كشفت هذا التغيير ضمن مراجعة شملت 136 كتابًا مدرسيًا سعوديًا للفترة الممتدة بين 2024 و2026.

المنظمة اعتبرت حذف العبارة، إلى جانب تعديلات أخرى، جزءًا من “تحول إيجابي” في اتجاه تعزيز خطاب التعايش والتسامح، وأشادت بالخطوة باعتبارها تراجعًا عن لغة اعتبرتها “تعبوية” أو معادية.

المفارقة السياسية هنا واضحة: جهة إسرائيلية هي التي تقيّم وتُشرّع لتغييرات في المناهج السعودية المتعلقة بالقدس، وهو ما يفتح الباب لتساؤلات حول من يملك سلطة تعريف “التطرف” و”التسامح” في هذا السياق، ولماذا يُنظر إلى الرفض التاريخي للتنازل عن القدس بصفته خطابًا يستوجب “الإصلاح”.

ماذا تغيّر فعليًا في الكتب؟

بحسب التقارير، لم يكن التعديل مقتصرًا على جملة واحدة، بل شمل مجموعة من التحولات في المصطلحات:

  • استبدال عبارات مثل “العدو الصهيوني” أو “العدو الإسرائيلي” بصيغ أكثر حيادية مثل “الاحتلال الإسرائيلي”.
  • حذف اسم “فلسطين” من بعض الخرائط الدراسية في طبعات معينة، وفق ما ورد في المراجعة.
  • تخفيف أو حذف عبارات وُصفت بأنها “معادية” لليهود أو لإسرائيل ضمن مواد دينية ولغوية مختلفة.
  • إدراج مضامين جديدة تتعلق بالتعايش، والتسامح، والتفكير النقدي، واحترام الأقليات.

في المقابل، تشير التقارير نفسها إلى أن الكتب ما تزال تصف إسرائيل بـ”الاحتلال”، ولا تتضمن اعترافًا رسميًا بها كدولة، وهو ما يعني أن التعديل لم يذهب إلى حد “تطبيع” اللغة التعليمية بالكامل، بل أعاد صياغتها بشكل أقل انفعالًا وأكثر تحفظًا.

هل هذا يعني أن السعودية “تخلت” عن القدس؟

الإجابة الدقيقة: لا يوجد ما يثبت ذلك بهذا الشكل المطلق. فحذف جملة واحدة، ولو كانت رمزية، من كتاب مدرسي واحد، لا يرقى إلى مستوى تغيير في الموقف السياسي أو الديني الرسمي للمملكة تجاه القدس أو القضية الفلسطينية.

لكن في الوقت نفسه، لا يمكن التقليل من دلالة هذا التغيير حين يُقرأ ضمن سياق أوسع من التعديلات المتزامنة: حذف تسميات، تخفيف مصطلحات، تحييد اللغة، وإشادة إسرائيلية علنية بالنتيجة. هذا النوع من التوافق بين “من يُغيّر” و”من يُصفق للتغيير” يمنح الخبر وزنًا يتجاوز حدود كتاب دراسي واحد.

توقيت حساس وسياق سياسي مشحون

يأتي الكشف عن هذه التعديلات في وقت لا يزال النقاش قائمًا حول احتمال عودة مسار التطبيع السعودي الإسرائيلي، والذي تعثر عقب الحرب على غزة. وربطت عدة تقارير بين هذا النوع من “الإصلاح التعليمي” وبين محاولات تمهيد الأرضية الشعبية والرمزية لأي تقارب مستقبلي محتمل بين الرياض وتل أبيب.

هذا لا يعني أن كل تغيير في منهج دراسي هو مؤشر تطبيع مباشر، لكنه يعني أن اللغة التي تُصاغ بها قضايا مثل القدس والاحتلال والهوية ليست تفصيلًا بريئًا، بل جزء من معركة أعمق على الذاكرة السياسية والدينية للأجيال القادمة.

القدس بين التربية على السلام والتنازل عن الرمز

المطلوب تربويًا هو تخليص المناهج من خطاب الكراهية والتحريض، وهذا مطلب مشروع لا خلاف حوله. فالتمييز بين اليهودية كدين، والصهيونية كمشروع سياسي، وسياسات إسرائيل كدولة، ضرورة فكرية وأخلاقية.

لكن الإصلاح التربوي يفترض أن يُبقي الحقائق التاريخية والسياسية واضحة، لا أن يُفرغها من محتواها. القدس مدينة ذات مكانة دينية عميقة لدى المسلمين، وقضيتها السياسية والقانونية ما تزال محل نزاع دولي لم يُحسم، بينما يبقى الاحتلال والاستيطان واقعًا موثقًا لا تُغيّره إعادة صياغة جملة في كتاب.

حين تُحذف عبارة “المسلمون لن يتخلوا عن القدس” دون أن تُستبدل بلغة توضح الحقوق الفلسطينية والوضع القانوني للمدينة المحتلة، فإن التعديل يتحول من “تهذيب لغوي” إلى إفراغ رمزي، وهو ما يفسر حجم الغضب الذي رافق تداول الخبر.

المصدر ميدل إيست آي / تقارير دولية
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق