
في رائعة فاوست للكاتب الالماني غوتي، لا يسقط الإنسان دفعة واحدة. لا تأتي الصفقة دائما في شكل شر واضح، ولا يظهر الإغراء دائما بوجه قبيح. أحيانا يأتي في صورة فرصة، منصب، منصة، اعتراف، أو وعد بمكان داخل لعبة أكبر من صاحبها. فاوست لم يبع روحه لأنه كان يكره الحقيقة، بل لأنه صدق أن الطريق المختصر نحو القوة والمعنى قد يعوضه عن مشقة المبدأ.
من هنا يمكن قراءة الجدل الذي أثاره التحاق سيليا الزياني بالحزب المغربي الحر. فالمسألة لا تتعلق فقط بشابة اختارت مسارا حزبيا، ولا بزعيم حراكي من داخل السجن عبّر عن موقفه من الأحزاب، ولا بمحام يحاول الدفاع عن حزبه وخياراته. نحن أمام لحظة كاشفة لصراع أعمق: صراع بين ذاكرة الحراك ومنطق المؤسسة، بين الرمز حين يولد من الشارع، والرمز حين يعاد إدخاله إلى قنوات السياسة الرسمية.
ناصر الزفزافي، في موقفه المنتقد، لم يكن يتحدث فقط عن سيليا كشخص. كان يتحدث عن معنى أوسع: ماذا يحدث عندما تتحول وجوه خرجت من رحم احتجاج اجتماعي مؤلم إلى واجهات حزبية؟ وهل يمكن لمن تشكلت رمزيته داخل الشارع، ووسط الألم والاعتقال والتضحية، أن يدخل لعبة الأحزاب دون أن يخسر جزءا من معناه؟ هذا هو السؤال الحقيقي، بعيدا عن لغة التخوين السهلة وبعيدا أيضا عن لغة التبرير الجاهزة.
أما إسحاق شارية، فقد دافع عن خيار سيليا باسم الحق في الاختيار السياسي، واعتبر أن بناء الديمقراطية لا يكون من خارج الأحزاب فقط، بل من داخلها أيضا. وهذا كلام يبدو، في ظاهره، منطقيا. فمن حيث المبدأ، لا يمكن مصادرة حق أي شخص في أن يختار مساره، ولا يجوز تحويل النضال إلى سجن رمزي يمنع صاحبه من التحرك أو المراجعة أو التجريب.
لكن المشكلة ليست هنا فقط. المشكلة أن شارية نفسه ليس خارج المفارقة. فهو يتحرك اليوم كأمين عام للحزب المغربي الحر، الحزب الذي ظل اسمه لسنوات مرتبطا بمحمد زيان، الرجل الذي كان أحد أبرز وجوهه، قبل أن يجد نفسه خلف القضبان. لذلك تبدو صورة شارية ملتبسة: رجل يدافع اليوم عن حق سيليا في دخول المؤسسة، بينما صعوده السياسي نفسه جاء فوق أنقاض رجل كان قبله عنوانا للحزب، وما يزال في نظر أنصاره معتقلا سياسيا، وفي نظر الدولة مدانا قضائيا.
هنا تصبح استعارة فاوست أكثر حضورا. لأن السياسة حين تفقد الأخلاق لا تبتلع الناس دفعة واحدة، بل تعيد ترتيبهم بهدوء. تزيح وجها، تصعد آخر، تفتح الباب لرمز جديد، وتعيد تقديم كل ذلك بلغة الديمقراطية والانفتاح والحق في الاختيار. لكن خلف هذه اللغة الجميلة يوجد سؤال قاس: هل نحن أمام سياسة تفتح أبوابها للمناضلين فعلا، أم أمام ماكينة تعرف كيف تلتقط الرموز حين تضعف، وكيف تعيد استعمالها حين تحتاج إلى شرعية رمزية جديدة؟
سيليا ليست أول وجه احتجاجي أو فني أو رمزي يدخل المجال الحزبي، ولن تكون الأخيرة. لكن حساسيتها تأتي من كونها مرتبطة بذاكرة جماعية لم تلتئم بعد. ذاكرة الحراك ليست مجرد حدث عابر، بل جرح اجتماعي وسياسي ما زال مفتوحا. لذلك يصبح دخول أي اسم مرتبط بهذه الذاكرة إلى حزب سياسي تقليدي مسألة أكبر من قرار فردي. إنه قرار يمس صورة الحراك نفسه في وجدان الناس.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار حق سيليا في الاختيار. ليست ملكا لأحد. لا للزفزافي، ولا للحراك، ولا للجمهور، ولا لمن يصفقون لها أو يهاجمونها. من حقها أن تختار، أن تخطئ، أن تصيب، أن تدخل حزبا أو تغادره. لكن حقها في الاختيار لا يلغي حق الناس في السؤال. فالرموز العامة لا تتحرك في فراغ، خصوصا عندما تكون قد بنت حضورها على ذاكرة الألم الجماعي.
الزفزافي، من جهته، يمثل منطق الممانعة. يرى أن التغيير لا يمر عبر ما يسميه “الدكاكين السياسية”، وأن الأحزاب في صيغتها الحالية ليست سوى أدوات لإعادة إنتاج نفس البنية. قد يختلف الناس مع حدته، لكن لا يمكن نزع الشرعية عن السؤال الذي يطرحه: كيف لمن احتج ضد بنية سياسية كاملة أن يعود لاحقا للاحتماء بإحدى واجهات هذه البنية؟
وشارية، في الجهة الأخرى، يمثل منطق الاندماج داخل اللعبة. يقول، بشكل مباشر أو غير مباشر، إن السياسة لا تمارس من الخارج فقط، وإن المؤسسات لا تترك فارغة. لكن تاريخه الحزبي القريب، وصعوده في ظل غياب محمد زيان داخل السجن، يجعلان هذا الخطاب أقل براءة. لأن من يدافع عن دخول الرموز إلى المؤسسة يجب أن يجيب أولا: ماذا تفعل هذه المؤسسة بالرموز عندما تنتهي وظيفتها؟
هنا بالضبط يقف “فاوست” المغربي. ليس شخصا واحدا، بل حالة كاملة. حالة المناضل حين يغريه الاعتراف. حالة الحزب حين يحتاج إلى وجه جديد. حالة السلطة حين تفضل تحويل الاحتجاج إلى ديكور سياسي بدل مواجهة جذوره. وحالة المجتمع حين لا يعرف هل يحمي رموزه من الترويض، أم يترك لهم حرية التجربة ولو انتهت بالابتلاع.
الخطر الحقيقي ليس أن تختار سيليا حزبا. وليس أن ينتقدها الزفزافي. وليس أن يدافع عنها شارية. الخطر الحقيقي أن تتحول المعاناة إلى رأسمال سياسي، وأن تتحول الرموز إلى مواد قابلة لإعادة التدوير، وأن يصبح الحراك مجرد ذاكرة تستعمل عند الحاجة ثم ترمى جانبا.
في النهاية، فاوست لم يكن شيطانا. كان إنسانا أمام إغراء كبير. والسياسة، حين تنفصل عن الأخلاق، تتحول إلى مفيستوفيليس جديد. لا تطلب منك كل شيء في البداية. تطلب فقط خطوة صغيرة: صورة، انضمام، تصريح، تبرير. ثم تترك الزمن يتكفل بالباقي…وتتحول سيليا الى مارڭاريتا في فصول المسرحية
















