واقعة سياسية تعيد صياغة المشهد في الريف
في خطوة سياسية لافتة وغير متوقعة، أعلن الحزب المغربي الحر رسمياً عن إلحاق الناشطة سليمة زياني، الشهيرة بلقب سيليا الزياني، بالمكتب السياسي والقيادة الوطنية للحزب. هذا القرار الذي صدر في تاريخ 23 ماي 2026 وحمل توقيع الأمين العام للحزب، أثار نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية والمجتمعية، خاصة بالنظر إلى الخلفية النضالية للناشطة التي ارتبط اسمها باحتجاجات حراك الريف بمدينة الحسيمة وضواحيها. يطرح هذا التحول الجذري في مسار واحدة من أبرز الوجوه النسائية للاحتجاج الشعبي بالريف تساؤلات جوهرية حول التحولات البنيوية التي تشهدها العلاقة بين النخب الاحتجاجية والمؤسسات الحزبية في المغرب. فهل نحن أمام بداية مرحلة جديدة من الإدماج السياسي الفعلي للرموز الاحتجاجية داخل القنوات الرسمية؟ أم أنها مجرد مناورة تكتيكية من أحزاب تسعى لاستقطاب شعبية الشارع؟ في هذا التحقيق، نستقصي كواليس القرار وتداعياته على المشهد السياسي المحلي والوطني.
بداية الخيط: قرار رسمي يعيد ترتيب المشهد
انطلق هذا التحول السياسي البارز بصدور قرار رسمي موقع من طرف الأمين العام للحزب المغربي الحر في 23 ماي 2026، يقضي بإلحاق سليمة زياني مباشرة بالمكتب السياسي، وهو أعلى هيئة تقريرية وتنفيذية داخل الحزب. هذه الخطوة لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت تتويجاً لمسار هادئ من التقارب الذي بدأ يتبلور في الآونة الأخيرة بين الفاعلة الحقوقية والقيادة الجديدة للحزب. أوضح الحزب في بيانه الرسمي أن هذا القرار لم يكن انفرادياً، بل جاء بعد تداول موسع وعميق داخل المكتب السياسي والقيادات الوطنية والإقليمية والجهوية للحزب. ويشير هذا التنسيق الموسع إلى وجود توافق داخلي غير مألوف داخل الهياكل الحزبية لاستيعاب اسم ارتبط تاريخياً بخطاب الاحتجاج الجذري، مما يعكس رغبة الحزب في إحداث قطيعة مع النمطية التنظيمية التقليدية وجذب أصوات قوية قادرة على إعطاء نفس جديد لخطابه السياسي.

كواليس التداول داخل المكتب السياسي للحزب المغربي الحر
تفيد المعلومات والمصادر المطلعة من داخل الحزب المغربي الحر بأن النقاشات التي سبقت الإعلان عن القرار كانت ساخنة ومطولة. فقد انقسمت الآراء في البداية بين تيار يرى في إلحاق سيليا الزياني خطوة جريئة ومكسباً كبيراً لتعزيز شعبية الحزب ومصداقيته في منطقة الريف، وتيار آخر كان يتخوف من التبعات السياسية لاستقطاب شخصية ارتبط اسمها بملف حراك الريف الحساس. ومع ذلك، حسمت القيادة الوطنية النقاش بالتأكيد على أن الخطوة تمثل اعترافاً وتقديراً حقيقياً بما راكمته سليمة زياني من نضالات ومواقف دفاعاً عن الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية وحقوق المرأة والتنمية المحلية. وأكد الحزب أن هذا الإلحاق يأتي عرفاناً بإسهاماتها النضالية الميدانية، والالتزام بالقضايا المجتمعية والوطنية، معبراً عن إيمانه بقدرة الزياني على المساهمة في تعزيز المشروع السياسي والتنظيمي للحزب وإضفاء حيوية جديدة على أدائه.
قراءة في المسار: من ساحات الاحتجاج بالحسيمة إلى أروقة الأحزاب بالرباط
لتفهم أهمية وعمق هذا التحول، لا بد من العودة إلى المسار النضالي لـ سيليا الزياني. فقد برزت سليمة زياني كصوت نسائي قوي وأيقونة فنية ونضالية خلال احتجاجات حراك الريف التي اندلعت في أعقاب الحادث المأساوي للمواطن محسن فكري في أواخر عام 2016 وطوال عام 2017. تميزت سيليا بقدرتها على تعبئة الجماهير وقيادة المسيرات السلمية، وتقديم خطاب يجمع بين المطالب الحقوقية والاجتماعية والتراث الثقافي الموسيقي لمنطقة الريف. هذا النشاط الميداني البارز أدى إلى متابعتها قضائياً ووضع اليد عليها في صيف 2017، حيث قضت فترة في الاعتقال قبل أن تستفيد من عفو ملكي لاحقاً. بعد خروجها من السجن، اختارت سيليا التراجع النسبي عن الأضواء والتركيز على دراستها ومشاريعها الفنية والحقوقية المستقلة، بعيداً عن الصخب السياسي المباشر، وهو ما جعل عودتها اليوم عبر بوابة الحزب المغربي الحر مفاجأة مدوية للكثيرين ومحطاً لقراءات متعددة.
أهداف سيليا الزياني من دخول التجربة التنظيمية
لم يتأخر رد سيليا الزياني على التساؤلات والشكوك التي صاحبت هذا الانضمام الحزبي المفاجئ. ففي تدوينات وتصريحات سابقة، أوضحت أن دخولها للمجال الحزبي يندرج ضمن رغبتها في التعلم وفهم آليات العمل السياسي والمؤسساتي من الداخل، بعد سنوات من العمل في الشارع والمنظمات غير الحكومية. وقد حددت الزياني أهدافها بوضوح في النقاط التالية:
- التعلم والتجربة: السعي لفهم كيفية صناعة القرار السياسي من داخل المؤسسات الحزبية المنظمة ومحاولة التأثير فيها.
- الانخراط في النقاش العمومي: استخدام المنبر الحزبي للمساهمة في صياغة السياسات العمومية واقتراح حلول عملية للقضايا الاجتماعية والحقوقية.
- التمثيل النسائي والشبابي: تعزيز حضور النساء والشباب في مراكز القرار السياسي الفعلي وتجاوز دور المتفرج أو المحتج فقط.
وأكدت الزياني أنها لا تسعى حالياً إلى الترشح للاستحقاقات الانتخابية أو تحمل المسؤوليات التنفيذية الحكومية، بل تهدف إلى اكتساب التجربة والخبرة التنظيمية الكافية للمساهمة البناءة والمستقبلية في خدمة قضايا الوطن والمواطنين بصفة عامة، ومنطقة الريف بصفة خاصة.
تحليل سياسي: هل تنجح الأحزاب في استيعاب طاقات الشارع؟
يرى خبراء في الشأن السياسي المغربي أن التحاق فاعلين بارزين من الحركات الاحتجاجية بالعمل الحزبي المنظم يعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع. تاريخياً، واجهت الأحزاب السياسية المغربية صعوبات في إقناع النشطاء الميدانيين بالانضمام لهياكلها، نظراً لأزمة الثقة التي تعاني منها المؤسسات الحزبية لدى فئات واسعة من الشباب المغربي. إن نجاح تجربة سيليا الزياني داخل الحزب المغربي الحر سيمثل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة البنى الحزبية التقليدية على التحول وإعطاء صلاحيات حقيقية للوافدين الجدد من ذوي الخلفيات الاحتجاجية. فإذا تمكنت الزياني من ممارسة أدوارها بحرية والمساهمة في صياغة مواقف الحزب بجرأة ومسؤولية، فإن ذلك قد يشجع نخب حراكية أخرى على سلوك نفس المسار والمساهمة في عقلنة ومأسسة المطالب الشعبية وتحويلها إلى مشاريع قوانين وبرامج عمل واقعية قابلة للتنفيذ في إطار مؤسسات الدولة.
تداعيات القرار واستنتاجات للمشهد السياسي بالريف
على الصعيد المحلي بالحسيمة ومنطقة الريف، أثار قرار التحاق سيليا بالحزب ردود فعل متباينة بين مرحب يرى فيه خطوة عملية نحو التغيير الإيجابي من الداخل وإنهاء حالة الجمود السياسي بالمنطقة، وبين متحفظ يخشى من ذوبان الرموز النضالية في دواليب العمل الحزبي التقليدي الذي قد يحد من استقلاليتها ومصداقيتها الشعبية. لكن المؤكد هو أن الحزب المغربي الحر قد كسب من خلال هذه الخطوة حضوراً قوياً ونوعياً في الساحة السياسية بجهة طنجة تطوان الحسيمة، مستفيداً من الرصيد الرمزي والشعبي لسيليا الزياني. وسيكون على الحزب والناشطة معاً إيجاد صيغة توازن ذكية تجمع بين الانضباط الحزبي والالتزام بالمبادئ النضالية الأساسية التي دافعت عنها سيليا طوال مسارها، لضمان استمرار ثقة المواطنين وجدوى هذه التجربة السياسية الفريدة.
توصيات للمستقبل السياسي للشباب المغربي
بناءً على هذا التحليل، نخلص إلى التوصيات التالية لتعزيز المشاركة السياسية الفعالة وضمان نجاح هذه التحولات البنيوية:
- تحديث الهياكل الحزبية: يتوجب على الأحزاب المغربية تبسيط مساطر الانضمام وإلغاء البيروقراطية التنظيمية لتمكين الطاقات الشبابية والنسائية من الوصول السريع لمراكز القرار.
- احترام التعددية والاستقلالية: يجب على القيادات الحزبية توفير هوامش حرية كافية للأعضاء الجدد للتعبير عن مواقفهم، وتجنب محاولات الترويض أو الصهر التنظيمي الذي يفقد الرموز جاذبيتهم ومصداقيتهم.
- توجيه النقاش نحو البرامج والبدائل: دعوة النشطاء الملتحقين بالعمل الحزبي للتركيز على صياغة برامج تنموية واجتماعية ملموسة وحلول قابلة للتطبيق لمعالجة الإشكالات الهيكلية لقطاعات الصحة والتعليم والشغل بالمنطقة.
ندعو قراء منصة ‘حسيمة سيتي’ الأعزاء إلى مشاركتنا آرائهم البناءة حول هذا التحول السياسي البارز: كيف ترون انتقال الرموز النضالية من الساحة الاحتجاجية إلى المؤسسات الحزبية الرسمية؟ وإذا كانت لديكم معلومات أو معطيات إضافية حول هذا الملف، يرجى تزويدنا بها لتعميق النقاش المجتمعي الهادف.
المصادر والمراجع المعتمدة في هذا التحقيق
– القرار التنظيمي الرسمي الصادر عن الأمانة العامة للحزب المغربي الحر بتاريخ 23 ماي 2026.- البيانات الصحفية والمواقف الرسمية الصادرة عن المكتب السياسي للحزب المغربي الحر.- التدوينات والبيانات التوضيحية المنشورة على الحسابات الرسمية للناشطة سليمة (سيليا) الزياني.- تقارير وتحليلات سياسية سابقة لمركز الدراسات والأبحاث حول الحركات الاجتماعية بالمغرب.



















