صمت الخارجية المغربية أمام اختطاف نشطاء أسطول الصمود: أين هي الدولة حين يتعلق الأمر بمواطنيها؟

حسيمة سيتيمنذ 57 دقيقةآخر تحديث :
صمت الخارجية المغربية أمام اختطاف نشطاء أسطول الصمود: أين هي الدولة حين يتعلق الأمر بمواطنيها؟
المهدي بنمنصور

في ملف أسطول الصمود المتجه إلى غزة، لا يبدو أن القضية لم تعد تتعلق فقط باعتراض سفن في المياه الدولية، بل أيضًا باختبارٍ صريح لمدى احترام الدولة المغربية لواجبها تجاه مواطنيها حين يتعرضون للاعتقال والإهانة في الخارج. فبينما سارعت دول عديدة إلى استدعاء سفراء الاحتلال والاحتجاج رسميًا على ما جرى، اختارت وزارة الخارجية المغربية أن تتوارى خلف صمتٍ ثقيل، بدا لكثيرين أقرب إلى العجز السياسي منه إلى الحسابات الدبلوماسية.

هذا الصمت لم يمرّ دون غضب. هيئات حقوقية، ونشطاء، وأسر المشاركين في الأسطول، عبّروا عن امتعاضهم من غياب أي موقف رسمي يليق بحجم الانتهاك، خاصة بعد الحديث عن تعسف وسوء معاملة واحتجاز قسري طال نشطاء مغاربة كانوا ضمن مهمة تضامنية سلمية. والأدهى أن هذا كله وقع بينما كانت الشوارع المغربية نفسها تمتلئ بالاحتجاج والتنديد، في مشهد يعكس فجوة صارخة بين نبض الشارع وبرود المؤسسة الرسمية.

المسألة هنا ليست خلافًا سياسيًا عابرًا، ولا هوامش بيان يمكن تأجيلها إلى حين. نحن أمام مواطنين مغاربة اعتُقلوا من قبل قوة أجنبية في واقعة وُصفت على نطاق واسع بأنها قرصنة بحرية وانتهاك واضح للقانون الدولي. وفي مثل هذه اللحظات، لا يُنتظر من الدولة أن تتفرج، بل أن تتحرك: ببلاغ واضح، باستدعاء دبلوماسي، بضغط قانوني، وبحد أدنى من الكرامة المؤسساتية التي تفرضها سيادة الدولة على رعاياها.

لكن ما حدث كان العكس تقريبًا. فبينما تحركت عواصم غربية للدفاع عن رعاياها، بدا الموقف المغربي متأخرًا، باهتًا، ومربكًا. وهذا ما جعل الكثيرين يتساءلون: هل أصبح المواطن المغربي أقل قيمة حين يكون في مواجهة الاحتلال؟ وهل تقتصر حماية الدولة على الملفات التي لا تزعج التوازنات السياسية الحساسة؟

الأخطر أن هذا الصمت لا يضرب فقط صورة وزارة الخارجية، بل يوجه رسالة سلبية إلى كل مغربي يفكر في ممارسة حقه في التضامن أو التعبير أو الانخراط في قضايا عادلة خارج الحدود. فحين يرى أن دولًا أخرى تدافع عن مواطنيها المحتجزين، بينما تلتزم بلاده الصمت، فإن السؤال يصبح أعمق من مجرد بلاغ غائب: ما معنى المواطنة إذا كانت الدولة تتأخر في الدفاع عن أبنائها حين يكونون عرضة للإهانة والاحتجاز؟

المنظمات الحقوقية المغربية كانت واضحة في مطالبها، إذ دعت إلى الإفراج الفوري عن النشطاء، وضمان سلامتهم الجسدية والنفسية، وتمكينهم من التواصل مع ذويهم ومحاميهم. كما شددت على أن ما وقع لا يُمكن التعامل معه كخبر عابر، لأن الأمر يتعلق بمغاربة احتُجزوا في سياق دولي شديد الحساسية، وبطريقة تمسّ حقوقهم الأساسية وكرامة بلدهم قبل كرامتهم الشخصية.

لكن وزارة الخارجية، التي يفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن المواطنين في الخارج، بدت وكأنها اختارت الصمت بوصفه سياسة. وهذا ما يجعل النقد الموجه إليها مشروعًا ومبررًا، لأن الدبلوماسية لا تُقاس فقط بما يُقال في المؤتمرات، بل أيضًا بما يُفعل عند وقوع الانتهاك. والدولة التي لا تدافع عن مواطنيها في لحظة الضعف تفقد جزءًا من معناها، حتى لو احتفظت بمظاهرها الرسمية.

في النهاية، ليست القضية مجرد أسطول أو تضامن مع غزة، بل اختبار حقيقي لمدى استعداد الدولة المغربية لأن تكون دولة مواطنين لا دولة انتقاء. فالمواطن المغربي، سواء اتفقت معه السلطة أم اختلفت، يظل صاحب حق في الحماية والكرامة والتمثيل السياسي والدبلوماسي. والصمت في مثل هذه اللحظة لا يبدو حكمة، بل تقصيرًا يجرح صورة الدولة أكثر مما يحميها.

المصدر متابعات
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق