يستعد الملك فيليبي السادس والملكة ليتيزيا لزيارة سبتة يوم 13 أكتوبر، في أول زيارة رسمية لهما إلى المدينة منذ اعتلاء العرش. ويتضمن البرنامج وقفة تأبين في مقبرة سيدي امبارك الإسلامية، حيث دُفن عدد من ضحايا العبور الجماعي في 30 و31 يوليوز، بينهم عشرات المغاربة الذين ما زال معظمهم مجهولي الهوية.
زيارة ذات دلالة
لا تكتسي زيارة فيليبي السادس أهمية بروتوكولية فقط، بل تأتي في سياق إنساني وسياسي شديد الحساسية. فالملك الإسباني سيشارك، رفقة الملكة ليتيزيا، في لقاء تأبيني عابر للأديان داخل مقبرة سيدي امبارك، تكريما للأشخاص الذين فقدوا حياتهم في البحر أثناء محاولتهم الوصول إلى سبتة.
وستكون هذه أول زيارة لفيليبي السادس إلى سبتة منذ توليه العرش سنة 2014، كما أنها أول زيارة رسمية له إلى المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية. وسيقضي الملكان ليلة 13 أكتوبر في سبتة، في سابقة هي الأولى لرئيس دولة إسباني خلال الحقبة الديمقراطية.
قبور تحمل أرقاما بدل الأسماء
في مقبرة سيدي امبارك، لا تحمل قبور الضحايا أسماء أصحابها، بل أرقاما تعريفية مؤقتة. وتفيد معطيات صحفية إسبانية بأن 90 شخصا لقوا حتفهم في أحداث العبور الجماعي، لم تُحدَّد هوية سوى تسعة منهم، بينما ظل 81 جثمانا مدفونا دون أسماء.
وتتراوح أرقام بعض القبور بين 5412 و5430، وهي أرقام لا تختصر حياة أصحابها، بل تعكس مأساة عائلات ما زالت تنتظر معرفة مصير أبنائها. وقد اعتمدت السلطات الإسبانية على البصمات وتحاليل الحمض النووي في بعض عمليات التعرف، لكن استكمال العملية يحتاج إلى عينات ومعلومات من الجانب المغربي.
مأساة إنسانية معلّقة
تقول مصادر صحفية إن السلطات المغربية لم تقبل إعادة جثامين عدد من الضحايا، بدعوى عدم اكتمال ملفات التعرف والوثائق الطبية اللازمة. وفي المقابل، تشير تقارير إلى أن السلطات الإسبانية أبقت الجثامين في انتظار استكمال الإجراءات، قبل دفنها في مقبرة إسلامية بسبب طول مدة الانتظار وتدهور حالة الجثامين.
لكن النتيجة الإنسانية بقيت واحدة: عشرات الأسر المغربية لم تحصل على جواب نهائي، ولم تتمكن من وداع أبنائها أو دفنهم في مسقط رأسهم. وبين تعقيدات الهوية والإجراءات السياسية، بقي الموتى عالقين في منطقة رمادية، لا أسماء لهم إلا أرقام القبور.
مفارقة مؤلمة
المشهد يفرض مفارقة لا يمكن تجاهلها: ملك إسبانيا، الذي ينتمي إلى دولة غير مسلمة، يتوجه إلى مقبرة إسلامية ليقف دقيقة وفاء أمام ضحايا مسلمين، فيما لم تستطع السلطات المغربية، حتى الآن، إغلاق ملف هويتهم وإعادتهم إلى عائلاتهم.
ولا يتعلق الأمر بتكريم رمزي فقط، بل بمسؤولية الدولة تجاه مواطنيها، أحياء وأمواتا. فكرامة الإنسان لا تنتهي عند الحدود، ولا تسقط بمجرد وفاته في رحلة هجرة مأساوية. ومن حق العائلات معرفة الحقيقة، وتسلم الجثامين، ودفن أبنائها بأسمائهم لا بأرقامهم.
أسئلة بلا أجوبة
تضع هذه المأساة السلطات المغربية أمام أسئلة واضحة:
- لماذا لم تُحسم هوية غالبية الضحايا بعد مرور أسابيع على الحادث؟
- هل جرى توفير فريق مغربي مختص بالبصمات والحمض النووي للتعاون مع السلطات الإسبانية؟
- لماذا لم تُفتح قنوات تواصل شفافة مع عائلات المفقودين؟
- من يتحمل مسؤولية تمكين الأسر من دفن أبنائها وقراءة أسمائها على القبور؟
- هل يتحول الضحايا إلى أرقام لأنهم فقراء ومهمشون ولا يملكون صوتا سياسيا؟
- وهل يكفي أن يُقال إن الملفات “قيد المعالجة” بينما تعيش العائلات على الانتظار والشك؟
التأبين لا يغلق الملف
زيارة فيليبي السادس إلى سيدي امبارك قد تمنح الضحايا لحظة اعتراف وكرامة، لكنها لا تعفي أي جهة من مسؤوليتها. فالتأبين خطوة إنسانية مهمة، غير أن العدالة تبدأ بكشف الهوية، وإخبار العائلات، وإعادة من يمكن إعادته، وتحديد ظروف الوفاة ومحاسبة المسؤولين عن أي تقصير.
في سيدي امبارك، لا ترقد أرقام مجهولة، بل أبناء أسر مغربية لها أسماء وذكريات وبيوت تنتظر. وبينما ينحني ملك إسبانيا أمام قبورهم، يبقى السؤال الأكثر إيلاما مطروحا على المغرب: متى يستعيد هؤلاء الموتى أسماءهم، ومتى تستعيد عائلاتهم حقها في الوداع؟



















