في الوقت الذي تستمر فيه آلة الحرب في حصد أرواح الأبرياء وتدمير البنى التحتية، تخرج إلى العلن تصريحات دبلوماسية تبدو في ظاهرها ‘تنسيقا سياسيا’، لكنها في جوهرها تحمل فوهات بنادق موجهة نحو سيادة الشعوب. السفير الصهيوني في واشنطن، يحيئيل لايتر، لم يتردد في قلب الحقائق والمفاهيم حين تحدث عن ‘اتفاق’ مزعوم لتحرير لبنان، في خطوة تطرح أكثر من علامة استفهام حول النوايا الحقيقية لكيان الاحتلال ومن يقف خلفه.
تفكيك الرواية الرسمية: من هو المحتل الحقيقي؟
تزعم الرواية الرسمية لكيان الاحتلال، على لسان سفيرها في العاصمة الأمريكية، أن هناك توافقا إسرائيليا لبنانيا على ما أسماه ‘تحرير لبنان من قوة احتلال تسيطر عليها إيران’، غامزا من قناة المقاومة اللبنانية. وفي مقابل هذه التصريحات التي تحاول تصوير المعتدي في ثوب ‘المحرر’، تشير الوقائع الميدانية والتاريخية إلى مفارقة صارخة؛ فالجهة التي تغتصب الأرض وتنتهك الأجواء وتستبيح الدماء، تحاول اليوم، وبدعم من قوى إمبريالية عالمية، مصادرة حق الشعوب في الدفاع عن نفسها وصياغة شرعية وهمية لعدوانها المستمر.
تغيير المصطلحات.. محاولة لطمس دماء المستضعفين
لم يأت اختيار واشنطن كمنبر لإطلاق هذه التصريحات عبثا. فالولايات المتحدة، التي طالما وفرت الغطاء السياسي والعسكري للعدوان، تمثل المنصة المثالية لمحاولة إعادة هندسة الرأي العام الدولي. إن وصف حركة مقاومة نشأت من رحم المعاناة والدفاع عن الأرض بـ ‘قوة الاحتلال’، هو التواء لغوي خطير يهدف إلى نزع صفة الضحية عن الشعب اللبناني، وتحويل الجلاد إلى ‘شريك في التحرير’. يتساءل المواطن العربي اليوم: كيف يستقيم منطق ‘التحرير’ مع استمرار القصف والتهجير ومصادرة مقدرات الشعوب؟
مرافعة أمام محكمة الضمير الإنساني
إذا كانت لغة الدبلوماسية الصهيونية تتسلح بـ ‘المصطلحات المنمقة’ لتبرير توسعها، فإن لغة الشارع العربي والضمير الإنساني الحر تتساءل عن البدائل وعن غياب العدالة الدولية. إن تصريحات يحيئيل لايتر ليست مجرد زلة لسان، بل هي استراتيجية واضحة لقلب موازين الحق والباطل. ويبقى التساؤل مطروحا بإلحاح: إلى متى سيظل المجتمع الدولي يتعامل مع قضايا السيادة والتحرر الوطني بمنطق الكيل بمكيالين، تاركا الشعوب المستضعفة تواجه آلة دمار لا تعترف إلا بلغة القوة؟



















