لم تكن فاجعة فاس مجرد حادث عرضي ناتج عن تقلبات الطبيعة، بل كانت صرخة مدوية كشفت عن عمق الشرخ في جدار التدبير المحلي. ففي الوقت الذي كانت فيه عائلات حي المسيرة بمقاطعة زواغة تمني النفس بسكن آمن، كانت يد الجشع تمتد لتبني طوابق من الوهم فوق رؤوسهم، مستخدمةً مواد بناء لا تصلح حتى لبناء الأسوار، لتنتهي القصة بمأساة إنسانية خلفت وراءها 22 قتيلاً وجروحاً لا تندمل في قلوب المغاربة.
تفاصيل التحقيقات: أسمنت مغشوش وأرواح رخيصة
كشفت التحقيقات القضائية والتقنية في ملف فاجعة فاس عن خروقات يندى لها الجبين؛ حيث تبين أن العمارتين المنهارتين شهدتا عمليات توسعة عشوائية وإضافة طوابق خارج كل القوانين المنظمة. والأخطر من ذلك، هو استخدام مواد بناء مستعملة ومتهالكة، في مشهد يعكس استرخاصاً صارخاً لحياة المواطن البسيط الذي يدفع دائماً ضريبة “السمسرة العقارية” وغياب الضمير المهني.
“حيتان” التعمير في قفص الاتهام: هل تتحقق العدالة؟
قرر الوكيل العام للملك بفاس وضع 21 شخصاً تحت مجهر التحقيق، من بينهم 8 أشخاص تم إيداعهم سجن “بوركايز”. اللائحة لم تقتصر على المنعشين العقاريين، بل شملت موظفين جماعيين، أعوان سلطة، وحتى منتخبين محليين وعلى رأسهم رئيس مقاطعة زواغة ونائباه. يتساءل المواطن الفاسي اليوم: كيف مرت هذه الخروقات تحت أعين السلطات لسنوات؟ وهل كان لابد من سقوط الأرواح ليتحرك مقص المحاسبة؟
تهم ثقيلة تلاحق الموقوفين
تتوزع التهم الموجهة للمشتبه فيهم بين القتل والجرح غير العمديين، والرشوة، وتزوير شواهد إدارية. وهي تهم تعيد تسليط الضوء على “لوبيات التعمير” التي تغتني من خلال خرق القوانين، بينما يبقى المواطن المغلوب على أمره يواجه مصيره تحت الأنقاض. إن فاجعة فاس ليست مجرد ملف قضائي، بل هي محاكمة لنمط من التدبير يفضل المصالح الضيقة على كرامة وحياة الإنسان.
صرخة من حي المسيرة: لا نريد أكباش فداء
بينما تستمر التحقيقات، تظل عيون عائلات الضحايا معلقة بباب المحكمة، منتظرة عدالة تنصف دماء أبنائها. فالمطلوب اليوم ليس فقط توقيف المتورطين المباشرين، بل تفكيك المنظومة التي سمحت بحدوث مثل هذه الكوارث، وضمان عدم تكرار مشهد الأمهات الثكالى أمام أنقاض بنايات شُيدت على باطل. فهل سيكون ملف فاجعة فاس نقطة تحول حقيقية في محاربة فساد التعمير بالمغرب؟



















